حين يصبح السفر جريمة سياسية: تعسف العقوبات الأميركية خارج الحدود
مادلينا تشيلانو – روما
في مطار تورونتو الدولي، عايشتُ شخصيًا ما بات يتكرر مع كثير من المواطنين والمواطنات حول العالم: أن تتحوّل إلى رهينة لنظام عقوبات عالمي وغير شرعي، تقوده الولايات المتحدة وتخضع له، بصمت، دول كثيرة يفترض أنها “ذات سيادة”. جريمتي؟ أنني سافرت إلى كوبا قبل أشهر.
حرمان مفاجئ من حق التنقل
كنت أمتلك تذكرة سفر نظامية على خطوط “أفيانكا” لرحلة من تورونتو إلى بوغوتا ومنها إلى ماناغوا (رقم الرحلة AV625)، وكانت أوراقي كاملة، ولا يوجد بحقي أي تنبيه أمني. فجأة، مُنعت من الصعود إلى الطائرة دون أي تفسير رسمي. أشار الموظفون، بعبارات مبهمة، إلى “قيود حكومية”. وبعد الإلحاح، تبيّن بشكل غير رسمي أن السبب هو “رحلة سابقة إلى كوبا”، ظهرت ربما في نظام ESTA أو في قواعد البيانات الجمركية الكندية، التزامًا بأوامر أميركية.
وكان من العبث أن أشرح أنني:
لست مواطنة أميركية؛
ولا أسافر إلى كوبا؛
ولا توجد أي عقوبات أممية تبرر هذا الإجراء.
رُفض صعودي للطائرة، لم أُمنح تعويضًا فوريًا، ولم يُسمح لي بحجز رحلة بديلة. تعاملت شركة الطيران معي كجهة بلا مسؤولية، وتمّت معاملتي كمشتبه بها فقط لأني مارست حقي في حرية التنقل وزرت دولة “غير منضوية” تحت الهيمنة الغربية.
العقوبات الأحادية: شبكة إمبريالية خارجة عن السيطرة
ما حدث لي ليس حالة استثنائية. بل هو جزء من سلسلة طويلة من العقوبات الأميركية الأحادية ضد كوبا، المفروضة منذ عام 1962، والتي توسّعت اليوم لتشمل دولًا ثالثة ومواطنيها. وتشمل العقوبات:
الشركات التي تتعامل مع كوبا؛
السفن التي ترسو في موانئها؛
المنصات الرقمية، وبطاقات الدفع، والبرمجيات؛
وحتى المسافرين العاديين الذين يتحدّون الخطاب المعادي.
إنه نظام عقابي عالمي غير مصادق عليه من مجلس الأمن، وبالتالي هو غير شرعي بموجب القانون الدولي. هذه العقوبات، المعروفة بـ”العقوبات الثانوية” أو “الإجراءات القسرية الأحادية”، لا تستند إلى أي شرعية قانونية، وتنتهك قواعد العلاقات بين الدول، مثل:
المادة 2 (الفقرة 7) من ميثاق الأمم المتحدة: عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول؛
المادة 13 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان: الحق في حرية التنقل؛
اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات (المواد 41 و42): احترام السيادة وحسن النية بين الأطراف.
إدانة الأمم المتحدة
أدان عدد من المقررين الأمميين هذه الممارسات. ألينا دوخان، المقررة الخاصة للأمم المتحدة بشأن العقوبات الأحادية (2020–2023)، قالت:
> “الإجراءات القسرية الأحادية تُسبب المعاناة الإنسانية، وتعرقل التنمية، وتنتهك الحقوق الأساسية للمواطنين في الدول المستهدفة، وحتى في دول أخرى.”
وفيما يتعلق بكوبا تحديدًا، صوّتت الجمعية العامة للأمم المتحدة 31 مرة للمطالبة بإنهاء الحصار فورًا. في عام 2023، صوّت 187 بلدًا من أصل 193 ضد الحصار، بينما دعمته الولايات المتحدة وإسرائيل فقط. ومع ذلك، لا شيء يتغير.
أوروبا وكندا شركاء في الصمت
اعتمد الاتحاد الأوروبي عام 1996 اللائحة رقم 2271/96 (“قانون الحظر”)، التي تمنع الشركات الأوروبية من الامتثال للعقوبات الأميركية خارج الحدود. ولكن هذا القانون يُهمَل باستمرار، وسط تواطؤ حكومي وتخاذل مؤسساتي.
أما كندا، التي تُقدّم نفسها كمدافع عن حقوق الإنسان، فلديها بدورها قانون “مناهضة المقاطعة”. لكنها في الواقع تتعاون مع واشنطن في عرقلة الأفراد والبضائع المرتبطة بكوبا أو إيران أو فنزويلا أو فلسطين أو سوريا.
وفي حالتي، كان التعسف مطلقًا: لا توضيح كتابي، ولا حق في الاعتراض، ولا حماية دبلوماسية.
حين تُجرَّم التضامن
أصبح السفر إلى دول “غير منسجمة”، والتعبير عن التعاطف مع شعوب مضطهدة، واختيار وجهات سفر تنبع من وعي سياسي، يُعدّ تصرّفًا مشبوهًا. الحرية الفردية باتت خاضعة للسياسات الجيوسياسية. لا تحتاج لأن تنتهك القانون، يكفي أن تخرق الرواية السائدة.
أسأل نفسي: أين ينتهي الحق في التنقل وأين يبدأ الخضوع الجيوسياسي؟ إلى أي حد نقبل أن تكون تحركاتنا، واهتماماتنا، وعلاقاتنا الثقافية، خاضعة لإرادة وزارة الخارجية الأميركية؟
مطالب ونداءات
بصفتي مواطنة إيطالية، ومثقفة، ومسافرة واعية، أُعلن أمام الرأي العام ما يلي:
1. أُدين انتهاك حقي في التنقل وحرية الحركة؛
2. أُحمّل شركة أفيانكا مسؤولية التواطؤ بالصمت وعدم تقديم تبريرات أو بدائل؛
3. أُدين تواطؤ السلطات الكندية مع نظام عقوبات ينتهك القانون الدولي؛
4. أُطالب بتوفير حماية قانونية ودبلوماسية للمواطنين الأوروبيين المعرضين لإجراءات تعسفية لأسباب سياسية بحتة.
وأدعو إلى:
أن يتخذ الحكومة الإيطالية والاتحاد الأوروبي موقفًا واضحًا للدفاع عن مواطنيهما في الخارج؛
التطبيق الفعلي لقانون الاتحاد الأوروبي ضد العقوبات الأميركية؛
إطلاق حملة دولية لإلغاء العقوبات خارج الحدود، دفاعًا عن التعددية والشرعية الدولية وحقوق الإنسان.
لأن السفر لا يجب أن يكون جريمة أبدًا.
لن يكون هناك عدل دولي ما دام هناك من يقرر وحده من يحق له أن يسافر، ومن يحق له أن يبيع، ومن يُسمح له بالكلام.

