غزة / شبكة الاخبار الفلسطينية
ليست كل الأحلام تموت عندما تنكسر… بعضها يتغيّر شكله فقط، ثم يعود إلينا أجمل مما تمنّينا.”
بهذه الكلمات التي تختصر عامًا كاملاً من الصبر والتحدي، تروي خريجة كلية التمريض من الجامعة الإسلامية بغزة آية حجاج حكايتها التي تجاوزت الحدود المألوفة، لتصنع من بين الركام قصة ملهمة تُجسّد روح الطالب الفلسطيني الذي لا تنكسر إرادته أمام أصعب الظروف.
طفولة شَغَفها الطب
منذ صغرها، عاشت آية وفي قلبها حلمٌ يتيم لم تفارق مخيلتها أطيافه؛ أن ترتدي المعطف الأبيض وتغدو طبيبة. استطاعت آية التفوق في الثانوية العامة وحصدت معدل 97.3% (الفرع العلمي)، وهو التفوق الذي ظنته مفتاحًا مباشرًا لتحقيق الشغف. لكن العوائق المادية وضيق الإمكانيات تقاطعت مع أول خطوة، لتجد نفسها أمام خيارات قاسية.
وفي حديثها للجامعة الإسلامية عن تلك المرحلة، تقول آية:
“كنت أسمع كلمة «مستحيل» أكثر مما أسمع اسمي… لكن وسط كل ذلك، كان هناك صوتٌ واحد يخالف الجميع؛ صوت أمي التي كانت تنظر إليّ وتقول بثقة: «لا يوجد شيء مستحيل عليكِ… الله لن يضيع تعبك».”
بين الشغف والبدائل
لم تكن الطريق مفروشة بالورود؛ إذ واجهت آية صعوبات بالغة في تثبيت مقعدها بكلية الطب نتيجة تعثر الحصول على منحة دراسية، مما اضطرها لترك الكلية بعد نصف فصل دراسي وإعادة ترتيب أولوياتها. تنقلت آية بين العلوم الصحية والبصريات حاصدة لأعلى الدرجات ومعدلات الامتياز، لكنها ظلت تنتظر الفرج والإشارة الإلهية للوجهة الصحيحة.
وعن لحظة الاختيار الحاسم، تستذكر آية قائلة:
“في ليلة طويلة، وبعد سجود ودعاء من قلب أنهكه الانتظار، قلت: «يارب… لم أعد أعرف ماذا أريد، فاختر لي أنت». وفي اليوم التالي، اخترت التمريض… ولم أكن أعلم حينها أن الله كان يختاره لي منذ سنوات ليقودني إلى المكان الذي أكون فيه أكثر نفعًا.”
اختبار الميدان
لم يمضِ سوى شهرين على التحاق آية بالجامعة حتى اندلعت الحرب، ليتغير مجرى حياتها في لحظات. تعرض منزل عائلتها للقصف، واستشهد جدها وعمها، وأصيب شقيقها بجراح بليغة أدت لبتر ثلاثة من أصابع يده. ومن تحت الأنقاض، نهضت آية بمسؤوليتها الإنسانية قبل أن تجف الدموع.
تصف آية تلك اللحظات الفاصلة بقولها:
“خرجتُ من تحت الأنقاض، ولم يكن هناك وقت للبكاء. أوقفتُ نزيف أخي وقدمت الإسعافات الأولية لعائلتي تحت الحصار. وحين انسحب الاحتلال، حملتهم إلى مستشفى المعمداني… وهناك ارتديت المعطف الأبيض لأول مرة، ليس في حفل جامعي ولا تدريب آمن، بل بين الركام والدخان وصراخ الأطفال.”
الأكاديمية والميدان
لم يكن الميدان الصحي ليعطل آية عن مسيرتها التعليمية؛ فقد واصلت دراستها إلكترونيًا عبر منصات الجامعة الإسلامية، متتبعة محاضراتها الأكاديمية بين عمليات إنقاذ الجرحى ووقف النزيف في غرفة الطوارئ بمستشفى المعمداني ومستشفى أصدقاء المريض.
وتقول آية في حديثها للجامعة حول التوفيق بين العمل والدراسة:
“كنت أخرج من غرفة العمليات لأحضر محاضرة إلكترونية، ثم أعود فورًا لأوقف نزيف طفل أو أساعد في إنقاذ أم. كانت الحرب تسرق النوم من عيني، لكنها لم تستطع أن تسرق الحلم من قلبي.”
تُوّج هذا الإصرار بشغف إضافي عندما التحقت آية أيضًا بتخصص التخدير والإنعاش بالكلية الجامعية لتدرس التخصصين معًا، وحصلت آية على عقد عمل تقديري من مؤسسة “أوسم كندا” تكريمًا لكفاءتها وإخلاصها الميداني.
حصاد الصبر
تقف آية حجاج اليوم على أعتاب التخرج بـ درجة الامتياز، حاملة في يدها شهادة النجاح، وفي قلبها سنواتٍ من الصبر ودعوات أمٍ آمنت بها حتى النهاية.
وعن شعورها بهذه اللحظة، تؤكد آية:
“اليوم أدرك أن الله لم يمنعني من الطب ليحرمني، بل ليقودني إلى المكان الذي أكون فيه أكثر نفعًا… ولم تنتهِ حكايتي هنا، بل أحلم بمواصلة طريقي نحو دراسة الماجستير؛ لأعود بعلمٍ أوسع وخبرة أكبر أُسخّرهما في خدمة المرضى وخدمة وطني الذي يُبنى بالعلم كما يُحمى بالصمود.”
وفي ختام حديثها لشباب وشابات فلسطين والجامعة، وجهت آية هذه الرسالة الملهمة:
“لا تجعلوا الظروف تكتب نهاياتكم. قد يتغير الطريق، وقد يتأخر الوصول، وقد تنكسر الأحلام التي رسمتموها، لكن ما كتبه الله لكم سيأتي في الوقت المناسب وسيكون أجمل مما تمنّيتم… الحمد لله، لقد كان الطريق يستحق كل هذا العناء.”
وتفخر الجامعة الإسلامية بغزة بتقديم نموذج الخريجة آية حجاج للعالم، كرمز للصمود والتميز الأكاديمي والإنساني الذي يثبت دومًا أن إرادة الحياة والعلم أمدّ أثرًا وأبقى من كل المحن.

