غزة / شبكة الاخبار الفلسطينية
في أروقة قسم الفيزياء بالجامعة الإسلامية بغزة، لم تكن “وفاء” مجرد طالبة تمرّ بين القاعات، بل كانت شغفًا يتجلى في حب التحليل وفهم أسرار هذا الكون. خاضت رحلتها الأكاديمية برغبة صادقة وقناعة تامة بأن الفيزياء هي “أم العلوم” والنافذة الأجمل لرؤية الطبيعة.
تُوج هذا الشغف بتخرجها من الجامعة الإسلامية عام 2013 بتقدير امتياز مع مرتبة الشرف؛ لتتربع على عرش الأولى على دفعتها والثانية على مستوى كلية العلوم. ومن هنا، بدأت حكايتها مع الجامعة التي أحبتها، حيث عُيّنت معيدة في قسم الفيزياء لثلاثة فصول دراسية، مكتشفةً شغفًا جديدًا بالتدريس وتبسيط المفاهيم المعقدة. ولأن شغف العلم لا يتوقف، ألحقته بدبلوم التأهيل التربوي من جامعة القدس المفتوحة بتقدير امتياز أيضًا.
من غزة إلى أضنة
لم يكن التميز المحلي سوى الخطوة الأولى؛ ففي عام 2016، حصلت وفاء على منحة دراسية في جامعة “تشوكوروفا” بمدينة أضنة التركية لنيل درجة الماجستير في الفيزياء. هناك، بدأت وفاء تتساءل: كيف يمكن استخدام الفيزياء لأثر مباشر في حياة البشر؟
أرشدها طموحها إلى تخصص “الفيزياء الطبية”—وهو مجال دقيق ونادر يكتسب أهمية بالغة في تحديد الجرعات الإشعاعية لمرضى السرطان أثناء علاجهم. أنهت الماجستير بامتياز عام 2019، وأصرّت على مواصلة المسار في برنامج الدكتوراه بالجامعة نفسها، حتى نالت الدرجة الرفيعة عام 2023م بتقدير امتياز متخصصةً في الفيزياء الطبية.
عزيمة وتحدي
لم تكن الرحلة مفروشة بالورود؛ فاغترابُ البلد واللغة والثقافة كان تحديًا يوميًا، إلا أن العقبة الأكبر تمثلت في رفض بحثها العلمي مرارًا من قِبل لجنة تحكيم إحدى المجلاّت الدولية. تسلل الإحباط إليها متسائلة إن كان النجاح على المستوى الدولي أبعد من قدراتها، لكنها سرعان ما أدركت درسًا جوهريًا: “رفض البحث لا يعني رفض الباحث، بل هو خطوة تقود إلى نسخة أفضل من النجاح”.
بدعم من مشرفتها الأكاديمية، أعادت وفاء عمل التجارب وطوّرت النتائج حتى قُبل البحث ونُشر في مجلة دولية محكمة، وكانت هي “المؤلف الأول” والباحثة المسؤولة عن المراسلات (Corresponding Author)، لتثبت للعالم أن الباحث الفلسطيني قادر على ترك بصمته في أرقى المنصات العلمية رغم كل الظروف.
صدى علمي
شغفها البحثي قادها للمشاركة في فريق علمي بجامعة “تشوكوروفا” لتطوير مقاييس الجرعات الإشعاعية، وهو إنجاز نادر نال اهتمامًا واسعًا في الإعلام التركي، حيث أُفرد له تقرير خاص على قناة TRT الإخبارية ووكالات أنباء تركية.
رسالة وأثر
اليوم، تعود الدكتورة وفاء صلاح أبو سعيد إلى بيتها الأول—الجامعة الإسلامية بغزة—لتعمل أستاذة جامعية في قسم تقنيات التصوير الطبي. لم تعد الدكتورة وفاء تلك الطالبة التي تتلقى المعرفة، بل أصبحت القدوة التي تنقل الخبرة وتلهم الطالبات لبناء شخصيات قوية علميًا وأخلاقيًا.
تؤمن الدكتورة وفاء بأن الحصول على الدكتوراة ليس نهاية المطاف، بل هو بداية لمسؤولية أكبر. وطموحها لا يقف عند حدود البحث العلمي والترقي الأكاديمي، بل يمتد لبناء جيل مؤمن بعلمه، قادر على قيادة التغيير والإصلاح، وترك أثر طيب ينتفع به العالم.

