️ ملعب “بكري” في صيدا: رياضة تُنبت الأمل في أرض المخيم والهامش
تحقيق : عصام الحلبي
في زمن تزدحم فيه الأخبار السياسية والأمنية وأخبار الكوترث والأزمات، يبزغ من مدينة صيدا، وتحديدًا عند دوّار الحسبة، صوت مختلف. لا صوت رصاص ولا احتجاجات مطلبية، بل صفّارة حكم تُعلن انطلاقة مباراة. في المكان الذي كان فراغًا، افتُتح “ملعب بكري”، ليُضاف إلى الجغرافيا الفقيرة بمساحاتها الخضراء، ملعبٌ يحمل في عشبته الاصطناعية كثيرًا من المعاني الواقعية… والأحلام المؤجلة.
إنه ليس افتتاحًا تقنيًا لمنشأة رياضية جديدة، بل حدثٌ اجتماعيّ يتقاطع فيه ما هو رياضي، بما هو ثقافي وتربوي ونفسي. فمنذ لحظة الإعلان عن تدشينه، بدا واضحًا أن الملعب سيكون أكثر من مكان للمباريات. إنه منصة لتمكين الشباب، واستعادة ما فقدوه وهو الشعور بأنهم يحظون بالأهتمام.
الرياضة كملاذ من التهميش
بالنسبة لشباب المخيمات الفلسطينية في لبنان، لا تمثل الرياضة مجرد نشاط ترفيهي. إنها المساحة الوحيدة المتاحة للهروب من الواقع المضغوط بالإقصاء، ولملمة الذات في مجتمع لا يملك لهم كثيرًا. من هنا، يكتسب افتتاح “ملعب بكري” رمزية تتجاوز المرمى والكرة، وتصل إلى صلب النقاش حول العدالة الاجتماعية وحق الشباب في التنفس.
الملعب الذي أُنشئ بجهود فردية وجماعية، يقع في منطقة حساسة اجتماعيًا، بين مدينة صيدا ومخيم عين الحلوة. وهو بذلك يخترق الحدود الرمزية بين “المدينة” و”المخيم”، ويقترح نموذجًا جديدًا للتفاعل، حيث يكون العشب الأخضر أرضًا مشتركة، لا ساحة صراع.
شخصيات حضرت… ورسائل أبعد من الرياضة
حفل الافتتاح مساء الإثنين لم يكن مجرد مناسبة رياضية، بل محطة التقت فيها نخب فلسطينية ولبنانية من مشارب مختلفة، تلاقت على كلمة واحدة: الشباب يستحق.
شارك في المناسبة مسؤولون من الاتحادات الرياضية الفلسطينية، مشايخ من مدينة صيدا، فاعليات من حركة “فتح”، مدربون، إداريون، إعلاميون، وأبناء أندية رياضية. الحضور لم يكن بروتوكوليًا بقدر ما كان تعبيرًا عن توق حقيقي لرؤية مشاريع تنموية في البيئة الفلسطينية، التي تئن تحت وطأة التهميش والقيود القانونية.
افتتح الحفل بتلاوة سورة الفاتحة، ثم انطلقت المباراة الرمزية بعد ركلة البداية التي نفذها الحاضرون، لتكون إشارة رمزية إلى أن هذا المكان، بقدر ما هو ملعب، هو منصة للانطلاق نحو الأبعد.
كلمات من القلب… ومواقف تتجاوز الرياضة
من على منصة الحفل، ألقيت ثلاث كلمات رئيسية، تقاطعت جميعها في التأكيد على دور الرياضة في تكوين الإنسان قبل اللاعب.
الدكتور رياض أبو العينين، مسؤول المكتب الحركي للشباب والرياضة في لبنان، وضع الحدث في سياق بناء مجتمع فلسطيني صحي في الشتات، يرى في الرياضة وسيلة لبناء شخصية متوازنة تنتمي إلى قضية، لا إلى ضياع.
الحاج زياد البقاعي، رئيس الاتحاد الفلسطيني لكرة القدم – فرع الشتات، تحدث بلغة التحدي، مؤكدًا أن البنية التحتية الرياضية الفلسطينية في لبنان رغم بساطتها، ستبقى منصات للموهبة والهوية، داعيًا إلى شراكات رياضية فلسطينية – لبنانية كجسور تتجاوز الجدران النفسية والسياسية.
الشيخ إبراهيم السعدي، بصفته التربوية والدينية، ركّز على بُعدٍ غالبًا ما يُهمل، القيم التي تغرسها الرياضة، والانضباط الذي تبنيه، مؤكدًا أن الرياضة يمكن أن تكون تربية على الأخلاق قبل أن تكون نتيجة في لوحة إلكترونية.
مباراة ودّية… ولقاء بين أخوين جاريين
واكبت المناسبة مباراة ودية جمعت نادي الإخوة صيدا بنادي العهد عين الحلوة. فاز فيها نادي الإخوة بنتيجة 5–2، لكن لم تكن النتيجة هي الحدث الأبرز. اللقاء كان فرصة لإثبات أن الرياضة يمكن أن تكون جسراً بين محيطين، لا حلبة خصام. التفاعل بين اللاعبين والحضور، بين إداريين وجمهور، أكد أن العشب الأخضر أحيانًا أصدق من الطاولة المستديرة.
أهداف المباراة سجلها جهاد حلاق (ثلاثة أهداف)، ومحمد بيومي، وطلال أحمد للإخوة، فيما سجل أبو رزق ومحمود عثمان للعهد.
من ملعب إلى رسالة
ما يجعل هذا الملعب حدثًا يستحق التحقيق، ليس بنيته ولا موقعه، بل توقيته. في لحظة عربية وفلسطينية يغلب فيها الإحباط، يظهر مشروع كهذا ليقول: نحن لا نزال نبني. نبني رغم هشاشة الإمكانات، ونعاند ثقافة الهدم بمبادرات الحياة.
“ملعب بكري” لا يدّعي أنه يغيّر الواقع، لكنه يشير إلى طريق محتمل. طريقٌ فيه شاب يرتدي قميصًا رياضيًا ، ويتعلم التمرير بدل التمترس الامني او الفكري والاجتماعي، وينتظر صفارة حكم لا صافرة إنذار.
حين تترك الرياضة أثرًا أكبر من الفوز
ليس كل ملعب يُبنى بالحجارة فقط، بل بالإيمان. و”بكري” هو دليل على أن المبادرات المجتمعية، عندما تنبع من حاجة حقيقية وتُدار بشغف، يمكن أن تترك أثرًا يتجاوز جدرانها.
في صيدا، لم تُفتتح منشأة رياضية فحسب، بل فُتحت نافذة على مشهد فلسطيني جديد، مشهد يرى في الرياضة مشروعًا تربويًا، وجسرًا إنسانيًا، وخط دفاع أول عن الأمل.


