الجزائر تكتشف كنوزها: سياحة تتجاوز الترف إلى التنمية والهوية
تحقيق: مادالينا شيلانو – شبكة الاخبار الفلسطينية
في زمن التحولات الاقتصادية والاجتماعية الكبرى، تسعى الجزائر إلى إعادة تعريف ذاتها، ليس فقط كقوة سياسية في شمال إفريقيا، بل كوجهة سياحية واعدة، تستثمر في حضارتها العريقة، وتضاريسها المدهشة، وروحها المقاومة.
في هذا السياق، يبدو أن الرهان الجزائري على السياحة لم يعد خيارًا ترفيهيًا أو اقتصاديًا محضًا، بل استراتيجية سيادية لخلق فرص العمل، وتحقيق تنمية متوازنة، وتعزيز الهوية الوطنية من بوابة العالم.
السياحة رافعة الجزائر الجديدة
في لحظة مفصلية من تاريخها الحديث، تُطلق الجزائر خطة وطنية شاملة لإعادة إحياء قطاع السياحة كقاطرة استراتيجية للتنمية الاقتصادية والاجتماعية.
الحكومة الجزائرية، برؤية طموحة، وضعت “مخطط التنمية السياحية 2030” (SDAT 2030) كإطار شامل لتحقيق تحوّل نوعي في هذا القطاع. ويقوم هذا المشروع على:
إنشاء 300 ألف سرير فندقي جديد بحلول 2030، منها 90 ألفًا قيد التنفيذ حاليًا
إطلاق أكثر من 8400 مشروع سياحي، تم ترخيص نحو 2000 منها، ويُنفّذ حاليًا 800 مشروع
استهداف جذب 12 مليون سائح سنويًا، بعدما بلغ عدد السياح أكثر من 2.5 مليون عام 2023
وتعتمد هذه الاستراتيجية على تكامل الأدوار بين الدولة، والقطاع الخاص، والسلطات المحلية، في إطار بيئة استثمارية مشجّعة، ومنظومة تشريعية مرنة.
تسهيلات جذرية: الجزائر تفتح أبوابها
ومن أبرز ما يميز الانفتاح السياحي الجزائري، مجموعة إصلاحات لتسهيل الوصول إلى البلاد، أبرزها:
إطلاق التأشيرة الإلكترونية وتأشيرة الدخول عند الوصول للمناطق الصحراوية
خطوط طيران جديدة مباشرة، كرحلة باريس–جانت الأسبوعية
رقمنة شاملة للخدمات السياحية
حوافز ضريبية وتشريعية لدعم الاستثمار الأجنبي والمحلي
كل ذلك يجعل من الجزائر وجهة أكثر انفتاحًا ومواكبة للمعايير الدولية في الاستقبال والخدمات.
ثراء جغرافي وثقافي فريد
ما يجعل الرؤية السياحية الجزائرية أكثر من مجرد مشروع اقتصادي، هو الثراء الطبيعي والثقافي الذي لم يُستثمر بعد بالكامل، وأبرز معالمه:
7 مواقع مصنفة ضمن قائمة التراث العالمي لليونسكو، مثل: قصبة الجزائر، جميلة، تيمقاد، وادي ميزاب، وطاسيلي ناجر
1200 كيلومتر من الشواطئ المتوسطية ذات التنوع البيئي والتاريخي
جبال جرجرة الملائمة للسياحة البيئية والمناخية
أكثر من 280 نبعًا حراريًا موزعة على الولايات
الصحراء الكبرى، ثاني أكبر صحراء في العالم، تروج لها الجزائر كوجهة للسياحة الروحية والمغامرات الصحراوية
تنمية محلية عبر السياحة
بحسب الأرقام الرسمية، أسهم القطاع السياحي في خلق أكثر من 543,500 فرصة عمل حتى 2021، ومن المتوقع أن يوفر 210,000 وظيفة إضافية بحلول 2030.
كما تتضمن الخطة الوطنية تكوينًا مهنيًا متخصصًا، ودعمًا للمشاريع الصغيرة، وتوزيعًا عادلاً للتنمية في المناطق المهمشة، لا سيما في الجنوب والداخل.
الدبلوماسية السياحية: الجزائر في قلب العالم
لا تقتصر الجهود على الداخل، بل تمتد إلى الخارج عبر:
المشاركة في المعارض والمنتديات السياحية الدولية
التعاون مع دول كالصين وروسيا وإيطاليا ودول الخليج
إطلاق فعاليات ثقافية رقمية مثل مهرجان “عنابة سياحة”
تنسيق بين الوزارات لتوحيد الهوية البصرية والترويجية للدولة
وقد شدد الرئيس عبد المجيد تبون على أن السياحة ليست مجرد قطاع اقتصادي، بل مرآة لهوية الجزائر المعاصرة، وأداة لصناعة الفخر والانتماء الوطني.
هل تصنع الجزائر نموذجًا سياحيًا مغاربياً جديدًا؟
بين مشروع طموح، وإرادة سياسية حقيقية، وكنوز طبيعية وثقافية لا تضاهى، تبدو الجزائر اليوم على أعتاب لحظة سياحية فارقة، قد لا تعيد فقط تعريف صورتها لدى العالم، بل تصنع أيضًا قصة نجاح سيادية، على أنقاض صور نمطية طالما لاحقتها.
السؤال المطروح: هل سينجح المشروع في تجاوز التحديات البيروقراطية، وتثبيت أقدام الجزائر في خارطة السياحة العالمية؟
الأشهر والسنوات القادمة ستكون الجواب.

