القوة الخفية ضد فلسطين (وضد كوبا)
مادالينا سيلانو – شبكة الاخبار الفلسطينية
“أنا أعلم. لكن ليست لدي أدلة. ولا حتى مؤشرات. أنا أعلم لأنني مثقف، كاتب، أحاول أن أتابع كل ما يحدث، أن أقرأ كل ما يُكتب، أن أتخيل كل ما لا يُقال أو يُخفى… أنا أعلم أننا جميعاً في خطر.”
— بير باولو بازوليني، صحيفة “كوريري ديلا سيرا”، 14 نوفمبر 1974
بهذه الكلمات أطلق بير باولو بازوليني أحد أكثر التحذيرات إدراكاً ومأساوية في القرن العشرين. صرخة لا تزال، بعد خمسين عاماً، تتردد بقوة متجددة. كان يحذر من ولادة “قوة خفية”، لم تعد مرتبطة بأحزاب أو طبقات اجتماعية ظاهرة، بل تجذرت في أجهزة تكنوقراطية وبيروقراطية واقتصادية وثقافية، تعمل في صمت لقمع كل أشكال المعارضة وكل هوية غير مندمجة، وكل ثقافة غير مستساغة.
اليوم، تتجلى هذه القوة في شبكة عالمية من العقوبات والرقابة والتهديدات والترهيب، تستهدف كل من يجرؤ على مناهضة الرواية السائدة. يتجلى وجهها في قمع حركة التضامن العالمية مع فلسطين، وفي العزلة المنهجية لدول مثل كوبا وفنزويلا وإيران، وفي محاولة تذويب ثقافات الشعوب العربية واللاتينية ضمن قوالب استهلاكية مهيمنة، تعامل هذه الشعوب كمجتمعات يجب تأديبها وتهميشها وإلغاؤها.
بازوليني كتب: “نحن جميعاً في خطر” – لكنها لم تكن صرخة شخصية أو وهماً فردياً، بل نبوءة واعية ومؤلمة. كان يرصد صعود قوة غير مرئية: تكنوقراطية، بيروقراطية، ما بعد أيديولوجية، تقمع من دون عنف ظاهر، وتفرض التماثل من دون إعلان حرب، وتستخدم الرقابة من دون رقابة رسمية. اليوم، تظهر هذه القوة عبر العقوبات الفردية، الرقابة الرقمية، والتهميش الجيوسياسي. قوة تقتل لا فقط بالسلاح، بل برفض منح تأشيرة، بتجميد حسابات مصرفية، بتدمير المسارات المهنية، وبعزل الشعوب.
قمع حركة التضامن مع فلسطين: حالة فرانشيسكا ألبانيزي
تتجلى هذه القوة اليوم في أشد صورها ضد الحركة الدولية المؤيدة لفلسطين. تهديدات الكونغرس الأميركي بفرض عقوبات شخصية على فرانشيسكا ألبانيزي، المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بحقوق الإنسان في الأرض الفلسطينية المحتلة، بسبب توثيقها جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية ارتكبتها إسرائيل في غزة، تمثل فعلاً بالغ الخطورة. لا يعاقبون فقط صوتاً ناقداً داخل الأمم المتحدة، بل يوجهون رسالة تهديد رمزية ومادية لكل من يتضامن مع فلسطين.
في الأشهر الأخيرة، تعرض مئات الطلاب في أوروبا والولايات المتحدة للاعتقال أو العقوبات التأديبية بسبب تنظيمهم اعتصامات جامعية دعماً لغزة. في باريس وبرلين وميلانو ولندن، تم حظر التظاهرات المؤيدة لفلسطين أو تفريقها بالقوة أو شيطنتها إعلامياً. وفي إيطاليا، بات من الصعب بشكل متزايد تأمين أماكن عامة لأي نشاط داعم لفلسطين، فيما يتعرض كثير من الناشطين لحملات تشهير وضغوط إدارية.
هذه هي الحرب الجديدة: لا تُخاض بالجيوش، بل بالقوانين والعقوبات الإدارية، والتهديدات المهنية، والإقصاء من الجامعات والمؤسسات الثقافية. تصبح التضامن جريمة، ويتحوّل القانون الدولي إلى أداة في يد الإفلات الغربي من العقاب.
سلاح العقوبات: كوبا، فنزويلا، وإيران تحت الحصار الدائم
المنطق نفسه من العقاب والعزل يُطبق على شعوب ودول الجنوب العالمي التي تقاوم الهيمنة النيوليبرالية. كوبا، الواقعة تحت حصار أميركي لأكثر من ستين عاماً، تتعرض اليوم أيضاً لحرب إعلامية تسعى لتشويه كل محاولات تقرير المصير. حتى السفر إلى كوبا يمكن أن يؤدي إلى رفض دخول الولايات المتحدة، ما يجعل حرية التنقل نفسها موضع تجريم. إنها شكل حديث من الفصل العنصري الدولي.
أما فنزويلا، فرغم عودتها التدريجية للحوار السياسي، لا تزال تخضع لعقوبات اقتصادية شديدة تؤثر على المجتمع بأسره. في حين تُستخدم قضايا قمع المعارضة في إيران ذريعة لتبرير حصار دائم يعرقل التبادل الثقافي والعلمي والإنساني، ويقع عبء نتائجه على كاهل المواطنين العاديين.
الشعوب هي من يدفع ثمن هذه الاستراتيجية: العمال، الطلاب، الأطباء، الفلاحون، النساء. إنها حرب غير معلنة، تُحوّل النظام الدولي إلى هرم عنصري لا يحق فيه سوى للدول “المنضبطة” المشاركة في المواطنة العالمية الكاملة.
أميركا اللاتينية: يقظة الحركات الشعبية وموجة القمع الجديدة
شهدت أميركا اللاتينية في السنوات الأخيرة نهضة لافتة للحركات الاجتماعية، النسوية، البيئية، والشعبية، كثير منها على صلة وثيقة بالقضية الفلسطينية والثورات الكوبية والبوليبارية. لكن هذه النهضة ووجهت برد عنيف من قبل النخب المحلية والقوى الخارجية.
في كولومبيا، قُتل أو اختفى المئات من النشطاء الشباب خلال احتجاجات عام 2021. في تشيلي، بدأت حكومة بوريك – التي وصلت إلى السلطة بدعم شعبي واسع – في قمع مطالب شعب المابوتشي والحركات النسوية والطلابية. في البيرو، سقط العشرات من المتظاهرين الأصليين والفلاحين برصاص الجيش وسط صمت المجتمع الدولي. وفي الأرجنتين، تتعرض منظمات حقوق الإنسان لهجوم مستمر من الحكومة النيوليبرالية الحالية.
وكالعادة، الإعلام الغربي صامت. شعوب أميركا اللاتينية تُختزل إلى فولكلور أو موضوع للشفقة. تاريخها، نضالها، ثقافتها، يتم تهميشها. ومن يسعى إلى إظهار هذه الحقيقة يُقصى أو يُسكت.
استعمار جديد: غير مرئي لكنه قاتل
ما نعيشه اليوم هو استعمار جديد: بدون جيوش، لكنه فتاك. يستخدم البيروقراطيات، المنصات الرقمية، القوائم السوداء، الأخبار الكاذبة، المنظمات غير الحكومية المسيّسة، الجامعات المُخصخصة، التأشيرات المرفوضة، والعقوبات.
إنه يستهدف بشكل خاص الشعوب العربية واللاتينية، بوصفها شعوباً “مُلغاة”، خاضعة لعملية قسرية من نزع الثقافة والتذويب تحت شعارات “الديمقراطية”، “حقوق الإنسان”، و”التنمية”.
هذا النظام العالمي الجديد لا يقمع فقط الحكومات التي ترفض الانصياع، بل أيضاً شبكات التضامن الأممية، والمثقفين الأحرار، والمواطنين الذين يرفضون الخضوع. لذا، فإن الدفاع عن حرية الحركة، وحرية التعبير، وحق الشعوب المهمشة في التضامن، هو اليوم معركة من أجل التحرر من الاستعمار.
كما كتب بازوليني: “التماثل هو الديكتاتورية الحقيقية”. لكن كل فعل مقاومة، وكل كلمة صدق، وكل تحالف شعبي، يُذكرنا بأن التاريخ لم ينتهِ… وأن النضال مستمر.

