النووي الإيراني: مبادرة للحوار في وجه الحصار الأوروبي
مادالينا شيلانو – روما
في تصريحات تحمل رسائل سياسية حادة، جدد السفير الإيراني في إيطاليا، محمد رضا صابوري، تأكيد بلاده الاستعداد للدخول في اتفاق دولي “ملزم وقابل للتحقق” يضمن عدم تطوير سلاح نووي. غير أن طهران، وفق صابوري، تصطدم بإرادة أوروبية تفضل “طريق المواجهة على الحوار”، في إشارة مباشرة إلى تجديد العقوبات الأوروبية المفروضة على شركات الطيران والشحن الإيرانية.
الملف النووي الإيراني: اتهامات غربية بلا أدلة قاطعة
رغم ما تروّج له العديد من الدوائر الغربية، لا توجد أدلة موثوقة تثبت سعي إيران لتطوير سلاح نووي، بحسب مصادر متعددة. محمد البرادعي، المدير العام السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية، صرّح بوضوح:
“لم أرَ أي دليل على أن إيران كانت تُصنّع سلاحًا نوويًا. أبدًا.”
أما سيد حسين موسويان، المفاوض النووي الإيراني السابق وأستاذ السياسات الدولية في جامعة برينستون، فأكد أن المسألة “سياسية لا تقنية”، مضيفاً:
“الولايات المتحدة لا تريد الاعتراف بسيادة إيران المستقلة.”
ويستند الموقف الإيراني إلى فتوى دينية أصدرها المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي عام 2003، حرّم فيها إنتاج أو استخدام أي سلاح دمار شامل، معتبراً ذلك محرّماً شرعاً ومخالفاً للإنسانية. وقد أُبلغت الأمم المتحدة بهذه الفتوى، لكنها لم تُترجم إلى ثقة دولية كافية لرفع العقوبات.
تشومسكي: العقوبات إرهاب اقتصادي
المفكر الأمريكي نعوم تشومسكي، أحد أبرز منتقدي السياسة الخارجية الأمريكية، لم يتوانَ عن وصف العقوبات على إيران بأنها “إرهاب اقتصادي”، معتبراً أنها لا تهدف لمنع تهديد فعلي، بل لإخضاع نظام يرفض الخضوع:
“العقوبات شكل من أشكال العقاب الجماعي… إنها لا تُفرض لمنع تهديدات حقيقية، بل لإخضاع حكومة ترفض الخضوع للغرب.”
نعوم تشومسكي، “أنظمة الطاقة”، 2013
وتشير دراسة صادرة عن جامعة طهران إلى أن العقوبات الأمريكية والأوروبية أدت إلى أكثر من 20 ألف حالة وفاة غير مباشرة سنويًا، بسبب صعوبة استيراد الأدوية والمعدات الطبية الأساسية. رغم ذلك، قلّما تجد هذه الأرقام صدىً في وسائل الإعلام الغربية.
ازدواجية المعايير: إسرائيل خارج المساءلة
أحد أبرز الانتقادات التي توجهها إيران للغرب هو ازدواجية المعايير في قضية حظر انتشار الأسلحة النووية. فـإسرائيل، التي تمتلك مئات الرؤوس النووية، لم توقّع قط على معاهدة منع الانتشار النووي (NPT)، ولا تخضع لأي رقابة أو مساءلة دولية، لا من واشنطن ولا من بروكسل.
كريغ موراي، السفير البريطاني السابق في أوزبكستان والمبلغ عن المخالفات في الخارجية البريطانية، علّق على هذه المفارقة بالقول:
“تدّعي القوى النووية الغربية منع إيران من فعل ما فعلته هي نفسها وما زالت تفعله. إنه المنطق الاستعماري لمن يُملي القواعد على الآخرين دون أن يلتزم بها.”
أوروبا بين التبعية السياسية والخسارة الاقتصادية
بحسب صابوري، فقد فقد الاتحاد الأوروبي استقلاليته الجيوسياسية، وبات يتحرك كـ”تابع للسياسات الأمريكية”، حتى لو كان ذلك على حساب مصالحه الاقتصادية. فبعد الاتفاق النووي الموقع عام 2015، تدفقت الشركات الأوروبية إلى السوق الإيرانية، لكنها سرعان ما انسحبت بعد انسحاب واشنطن من الاتفاق وفرضها لعقوبات ثانوية على أي جهة تتعامل مع طهران.
في عام 2019، صرّحت فيديريكا موغيريني، الممثلة العليا السابقة للسياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، قائلة:
“ليس من مصلحة أوروبا قبول قرارات أحادية تنتهك اتفاقًا دوليًا مثل خطة العمل الشاملة المشتركة. لقد أوفت إيران بالتزاماتها.”
لكن اليوم، ما تزال أوروبا تلتزم بالمسار الأمريكي والإسرائيلي، في سياسة لا يبدو أنها تخدم استقرار الشرق الأوسط أو مصالح الأوروبيين أنفسهم.
نداء إيراني للحوار والاحترام المتبادل
كلمات السفير الإيراني تمثل دعوة واضحة لاستئناف الحوار المتعدد الأطراف، بعيداً عن المعايير المزدوجة والمواقف الأيديولوجية.
وأكد صابوري أن السبيل الوحيد نحو حل عادل ومستدام هو العودة إلى القانون الدولي واحترام سيادة الدول، قائلاً:
“نحن مستعدون لاتفاق ملزم وقابل للتحقق. لكن الحوار يجب أن يكون على أساس الاحترام المتبادل، لا منطق الإملاء.”
في عالم يسير نحو التعددية القطبية، على الغرب أن يقرر هل سيبقى سجينًا لمنطق الهيمنة، أم ينفتح على شراكات قائمة على الندية؟
فالوقت لا يعمل لصالح التوتر… ولا سلام بلا عدالة.

