إيران – إيطاليا: تحالف طبيعي تعرقله العقوبات الغربية… السفير صبوري: “التعاون ممكن، لكنه يتطلب شجاعة سياسية”
إعداد: مادلينا تشيلانو – روما
أكد سفير الجمهورية الإسلامية الإيرانية في إيطاليا، محمد رضا صبوري، أن العلاقات الاقتصادية بين طهران وروما تمتلك إمكانات هائلة غير مستثمرة، معربًا عن أسفه لتدهور هذه العلاقات نتيجة العقوبات الغربية، خاصة تلك التي فرضتها الولايات المتحدة. وقال صبوري:
“كانت إيطاليا من أبرز الشركاء التجاريين لإيران في أوروبا، بحجم تبادل تجاري تجاوز 7 مليارات يورو سنويًا، قبل أن تدمر العقوبات التي فرضتها واشنطن علاقاتنا الاقتصادية.”
عقود من التعاون الاستراتيجي… فجوة أحدثتها السياسة
لأكثر من عشرين عامًا، حافظت إيران وإيطاليا على شراكة اقتصادية مثمرة، وبلغت ذروتها عقب توقيع الاتفاق النووي عام 2015 (JCPOA)، حيث دخلت شركات إيطالية كبرى إلى السوق الإيرانية، من بينها إيني، أنسالدو، دانييلي، مايري تكنيمونت، بيسينا، سايبم، ونفذت مشاريع مهمة في قطاعات النفط، البنى التحتية والصناعة.
واعتبر السفير الإيراني أن التعاون بين الجانبين يقوم على تكامل طبيعي، موضحًا:
“إيطاليا تمتلك قدرات هندسية وصناعية وتكنولوجية رفيعة المستوى، في حين تملك إيران موارد طاقة ضخمة، وسوقًا استهلاكية واسعة، وموقعًا استراتيجيًا في قلب المنطقة.”
ورأى أن العائق الوحيد أمام تطور العلاقات ليس اقتصاديًا، بل سياسي وأيديولوجي بحت.
عقوبات خارج الشرعية الدولية تضر بالمصالح الأوروبية
ندد صبوري بالعقوبات الأميركية الأحادية، والتي تبنتها أوروبا – وعلى رأسها إيطاليا – دون اعتراض فعلي، معتبرًا أنها تشكل انتهاكًا صارخًا للقانون الدولي، وتتنافى مع أحكام معاهدة حظر الانتشار النووي (TNP). وأضاف أن هذه الإجراءات العقابية لا تقتصر على الأطراف الإيرانية، بل تطال أيضًا شركات أوروبية – بما في ذلك الإيطالية – لمجرد انخراطها في علاقات تجارية مع إيران، واصفًا إياها بأنها ضرب من الاستعمار المالي وانتهاك مباشر لمبدأ السيادة الاقتصادية.
وفي هذا السياق، استُعيد تصريح للممثلة العليا السابقة للاتحاد الأوروبي فيديريكا موغيريني من عام 2019، حيث قالت:
“لا يحق لأي دولة ثالثة أن تقرر من يتاجر مع من. على أوروبا أن تدافع عن سيادتها الاقتصادية.”
ومع ذلك، تواصل أوروبا اليوم – وخصوصًا إيطاليا – الرضوخ للإملاءات الأميركية، ما يؤدي إلى خسائر اقتصادية فادحة تتمثل في تراجع الاستثمارات، وتقلص الصادرات، وفقدان فرص العمل.
فرص التعاون ما زالت قائمة رغم القيود
رغم القيود المفروضة، لا تزال هناك مجالات للتعاون الثنائي، تقتصر على السلع غير الخاضعة للعقوبات، كالمعدات الطبية، والأدوية، والمنتجات الغذائية، والصناعات الخفيفة. إلا أن السفير صبوري شدد على وجود إمكانات أوسع بكثير، قائلًا:
“يمكن أن تمثل قطاعات مثل الطاقة المتجددة، وصناعة المعدات الصناعية، والنقل، والصناعات الغذائية، مجالات تعاون واعدة.”
وأكد أن هذه القطاعات ضرورية ليس فقط للنهوض بالاقتصاد الإيراني، بل تشكل أيضًا فرصة كبيرة للشركات الإيطالية الباحثة عن أسواق ناشئة موثوقة وغنية بالموارد البشرية. وتحدث صبوري عن إيران بوصفها بلدًا ذا تركيبة سكانية شابة، متعلمة، ومؤهلة تكنولوجيًا، وهو ما يجعلها شريكًا طبيعيًا للمنتجات والصناعات الإيطالية.
إيران ليست تهديدًا… بل جسر حضاري واستراتيجي
رفض السفير الإيراني الصورة النمطية التي ترسمها وسائل الإعلام الغربية عن إيران، مشددًا على أن بلاده ليست تهديدًا، بل جسر بين الحضارات. وأشار إلى أن تاريخ إيران العريق، وموقعها الجغرافي المحوري، وعمقها الثقافي، وتشبثها بسيادتها، يجعل منها حليفًا استراتيجيًا لمن يسعى لبناء روابط مع أوراسيا والجنوب العالمي.
وبحسب الخبيرة الاقتصادية لوريتا نابوليوني، المتخصصة في العقوبات الدولية والأسواق الناشئة:
“إيران قوة إقليمية لا يمكن تجاهلها. العقوبات لم تُضعفها، بل عززت روابطها مع الصين وروسيا والهند ودول الخليج. إن تجاهل إيران هو نوع من قصر النظر الجيوسياسي.”
دعوة إلى روما: نحو رؤية مستقلة وشراكة متجددة
في ختام حديثه، وجّه السفير صبوري نداءً إلى روما من أجل فتح صفحة جديدة في العلاقات الثنائية:
“نحن بحاجة إلى رؤية جديدة، شجاعة، براغماتية ومحترمة. الصداقة بين شعبينا قادرة على تخطي العقبات التي فرضتها قوى خارجية.”
ودعا إلى أن تستعيد إيطاليا هويتها الأورو-متوسطية، والأوراسية، والمستقلة، وتتحرر من وطأة العقوبات غير القانونية، معتبرًا أن العالم المتعدد الأقطاب يمنح
إيطاليا
فرصة استراتيجية لإعادة بناء علاقاتها مع إيران، خدمةً للسلام، والتنمية، وكرامة الشعبين.

