غزة / شبكة الاخبار الفلسطينية
تفرض الانتخابات الإسرائيلية المقبلة نفسها على المشهد السياسي بوصفها حدثًا يستحق المتابعة والتحليل، ليس لأنها ستقرر وحدها مستقبل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، وإنما لأنها قد تكشف اتجاهات التحول داخل النظام السياسي والأمني الإسرائيلي، وطبيعة العلاقة المقبلة بين القيادة السياسية والمؤسسة العسكرية والأمنية، وحدود قدرة إسرائيل على إدارة آثار الحرب واستعادة صورتها الدولية، واتجاهات المجتمع الإسرائيلي في مقاربته للصراع والاحتلال والفلسطينيين، غير أن المشكلة المنهجية التي تستحق التوقف عندها لا تتعلق بأهمية متابعة هذه الانتخابات، بل بالموقع الذي تحتله داخل العقل التحليلي الفلسطيني والعربي؛ إذ إن جانبًا من الإعلام والكتابات السياسية العربية بات يتعامل مع الانتخابات الإسرائيلية واستطلاعات الرأي وتصريحات المرشحين وخلافات الأحزاب ومواقف المؤسسة العسكرية والأمنية باعتبارها مركزًا يوميًا للاهتمام، بحيث تتحول إسرائيل تدريجيًا من موضوع للدراسة إلى إطار يحدد الأسئلة التي نطرحها، وتصبح فلسطين في المقابل مجرد متغير تابع لما يحدث داخل إسرائيل، وكأن مستقبل الشعب الفلسطيني يتقرر في صناديق الاقتراع الإسرائيلية أكثر مما يتقرر في قدرته على بناء مشروعه الوطني، وإعادة تشكيل نظامه السياسي، وتطوير أدوات مقاومته السياسية والقانونية والدبلوماسية، وحماية وجوده وحقوقه في مواجهة الاحتلال والاستيطان والضم والتهجير.
ولا تكمن المشكلة، إذن، في أن نقرأ إسرائيل بكثافة، بل في أن نقرأها أحيانًا من داخل روايتها ومن زاوية أجندتها، بحيث يصبح السؤال المركزي: من سيحكم إسرائيل؟ وهل يبقى نتنياهو أم يأتي آيزنكوت؟ ومن يستطيع تشكيل الائتلاف؟ وكيف تتغير استطلاعات الرأي؟ وماذا تقول الصحافة الإسرائيلية؟ بينما يتراجع السؤال الذي ينبغي أن يكون نقطة الانطلاق: ماذا يعني كل ذلك لفلسطين؟ وما الذي سيتغير في بنية الاحتلال؟ وما الذي سيبقى ثابتًا؟ وما الذي تستطيع إسرائيل فعله وما الذي تعجز عن فعله؟ وكيف يمكن للفلسطينيين والعرب تحويل التحولات داخل إسرائيل إلى فرص لتقليص قدرتها على مواصلة الاحتلال والضم والإفلات من المساءلة؟ وبذلك يصبح الانتقال المطلوب ليس من دراسة إسرائيل إلى تجاهلها، وإنما من مراقبتها إلى تحليلها، ومن تحليلها إلى بناء تقدير فلسطيني وعربي مستقل، ومن التقدير إلى صناعة القرار والتأثير.
أولًا: الانتخابات الإسرائيلية بوصفها متغيرًا لا مركزًا لمستقبل فلسطين
تكتسب الانتخابات الإسرائيلية أهميتها الحقيقية عندما تُقرأ باعتبارها متغيرًا في البيئة الاستراتيجية المحيطة بالقضية الفلسطينية، لا باعتبارها العامل الذي يحدد مسار القضية أو مستقبلها؛ فالحكومات الإسرائيلية تتبدل، والائتلافات تتغير، والأسماء تصعد وتهبط، لكن ذلك كله يجري داخل بنية دولة ومؤسسات ومصالح وعقائد أمنية وسياسات استعمارية استيطانية تراكمت على مدى عقود، الأمر الذي يجعل الرهان على تغيير الشخص أو الائتلاف باعتباره مدخلًا تلقائيًا لتغيير طبيعة العلاقة مع الشعب الفلسطيني رهانًا غير آمن استراتيجيًا، خصوصًا بعدما كشفت الحرب الأخيرة أن الفروق بين التيارات الإسرائيلية، على أهميتها، لا تلغي وجود مساحة واسعة من الإجماع حول الحفاظ على التفوق العسكري والأمني الإسرائيلي، ومواصلة السيطرة على المجال الفلسطيني، وحماية المشروع الاستيطاني، ورفض الاعتراف الفعلي بالحقوق الوطنية الفلسطينية.
ومن هنا فإن السؤال الاستراتيجي ليس من سيفوز في الانتخابات بقدر ما هو: ما الذي سيفعله الفائز بالقوة التي ستنتقل إليه؟ فإذا تغيرت الحكومة دون أن تتغير سياسة الاستيطان والضم والسيطرة الأمنية، فإن التغيير يكون في الإدارة لا في البنية؛ وإذا تغير الخطاب السياسي دون أن تتغير الوقائع الميدانية، فإننا نكون أمام إعادة صياغة للصورة لا إعادة تأسيس للعلاقة؛ وإذا تمكنت إسرائيل من إنتاج قيادة جديدة أكثر مؤسسية وأقل صدامية وأكثر قدرة على ترميم علاقاتها مع واشنطن وأوروبا، فقد يكون ذلك، paradoxically، أخطر على القضية الفلسطينية من استمرار قيادة شديدة التطرف، إذا نجحت القيادة الجديدة في تخفيف الكلفة الدولية للاحتلال مع إبقاء جوهره قائمًا.
وهنا ينبغي الحذر من بناء التقدير على ثنائية مبسطة من نوع «نتنياهو سيئ وما بعد نتنياهو أفضل»، لأن السياسة الإسرائيلية لا تُقاس بشخصية رئيس الحكومة وحدها، بل بمدى قدرة التحالف الحاكم على إعادة إنتاج أهداف الدولة ضمن أدوات أكثر كفاءة؛ ولذلك فإن احتمال رحيل نتنياهو لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره نهاية مرحلة الاحتلال، بل باعتباره احتمالًا لبداية مرحلة جديدة من إعادة تنظيم القوة الإسرائيلية وإدارة الاحتلال بصورة أكثر مؤسسية.
ثانيًا: ما بعد نتنياهو وإعادة بناء القدرة الإسرائيلية
تكمن أهمية المرحلة المقبلة في أنها قد تشهد محاولة إسرائيلية واسعة لإعادة بناء قدرتها السياسية والأمنية والدبلوماسية بعد الحرب، وترميم العلاقة مع الحلفاء، وإعادة تنظيم العلاقة بين القيادة السياسية والمؤسسة العسكرية والأمنية، واستعادة الثقة الداخلية، وإعادة تقديم إسرائيل أمام العالم بوصفها دولة مؤسسات قادرة على المراجعة والتعلم وتصحيح الأخطاء، وهو ما قد ينتج تحولًا في أسلوب إدارة الصراع دون أن يؤدي بالضرورة إلى تحول في جوهر المشروع.
ومن الخطأ كذلك التعامل مع الخلفية العسكرية أو الأمنية لبعض المرشحين باعتبارها دليلًا تلقائيًا على الاعتدال؛ فالرجل القادم من المؤسسة الأمنية قد يكون أكثر إدراكًا لكلفة الحرب وأكثر قدرة على تقدير حدود القوة العسكرية، لكنه قد يكون في الوقت نفسه أكثر قدرة على بناء سياسة احتلال منضبطة، وأكثر كفاءة في إدارة الضفة وغزة والحدود، وأكثر قدرة على دمج القوة العسكرية بالدبلوماسية والتحالفات الدولية، بما يجعل إسرائيل أقل صدامًا في الخطاب وأكثر فعالية في تحقيق أهدافها.
ولهذا فإن الاختبار الحقيقي لأي قيادة إسرائيلية جديدة لا ينبغي أن يكون صورتها الإعلامية أو مقارنتها بنتنياهو، وإنما مواقفها من الاحتلال والاستيطان والضم والقدس وغزة واللاجئين وحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره، ومدى استعدادها لإنهاء السيطرة العسكرية على الأرض الفلسطينية، وقبولها بقيام دولة فلسطينية ذات سيادة، والتزامها بالقانون الدولي، واستعدادها لمحاسبة المسؤولين عن الجرائم التي ارتكبت بحق المدنيين الفلسطينيين.
إن أخطر الاحتمالات ليس أن يبقى نتنياهو، وإنما أن تنجح إسرائيل في إنتاج «ما بعد نتنياهو» من دون إنتاج «ما بعد الاحتلال».
ثالثًا: الاحتلال بنية تتجاوز الحكومة
إن اختزال إسرائيل في الحكومة التي تتولى السلطة يفضي إلى خطأ منهجي آخر، يتمثل في تجاهل أن الاحتلال ليس قرارًا يوميًا يصدر عن رئيس الوزراء، وإنما بنية متكاملة تتداخل فيها المؤسسة العسكرية والأجهزة الأمنية والإدارة المدنية والاستيطان والقوانين والسياسات الاقتصادية وشبكات المصالح ومؤسسات الدولة، فضلًا عن بنية اجتماعية وسياسية تراكمت حول السيطرة على الأرض الفلسطينية.
ومن ثم فإن تغير الحكومة قد يعيد ترتيب أولويات الإدارة، لكنه لا يلغي تلقائيًا البنية التي تنتج الاحتلال؛ وقد تتراجع حدة خطاب معين، أو تتغير طريقة التعامل مع الولايات المتحدة، أو يجري فتح قنوات تفاوضية، أو تتخذ إسرائيل خطوات إنسانية محدودة، بينما تستمر في الوقت نفسه عملية تغيير الوقائع على الأرض عبر الاستيطان والضم والتهجير والسيطرة الأمنية.
ولهذا فإن الدراسة الجادة لإسرائيل تقتضي الفصل بين الحكومة والدولة، وبين السياسة والبنية، وبين الخطاب والممارسة، وبين صورة إسرائيل عن نفسها والنتائج الفعلية لسلوكها. وهذه التفرقة ضرورية حتى لا يتحول التغيير السياسي داخل إسرائيل إلى وهم بتغيير طبيعة الصراع.
رابعًا: من مشروع التوسع إلى مشروع الهيمنة
لا ينبغي أن تُقرأ السياسات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية بمعزل عن التحول الأوسع في موقع إسرائيل داخل الشرق الأوسط؛ فالمسألة لا تتعلق فقط بما إذا كانت إسرائيل تريد السيطرة على مساحة أكبر من فلسطين، وإنما بما إذا كانت تسعى إلى تحويل تفوقها العسكري والتكنولوجي والأمني والاقتصادي إلى قدرة على التأثير في قواعد النظام الإقليمي، بحيث تصبح جزءًا من عملية إعادة تعريف الأمن والتحالفات وموازين القوة في المنطقة.
ومن هذه الزاوية لا يمثل مشروع «إسرائيل الكبرى» ومشروع الهيمنة الإقليمية خيارين متناقضين، بل يمكن أن يعمل أحدهما على تعزيز الآخر؛ فكلما توسعت السيطرة الإسرائيلية على الأرض الفلسطينية، ازدادت قدرتها على فرض وقائع أمنية وسياسية جديدة، وكلما تعزز موقعها الإقليمي والدولي، أصبحت قدرتها على حماية تلك الوقائع أكبر.
وهنا تصبح القضية الفلسطينية مرتبطة بصورة مباشرة بالأمن القومي العربي، لأن تحويل إسرائيل إلى قوة مهيمنة على النظام الإقليمي لا يعني فقط استمرار الاحتلال الفلسطيني، وإنما يعني احتمال إعادة ترتيب المنطقة بطريقة تجعل الأمن العربي نفسه أكثر اعتمادًا على موازين قوة لا يملك العرب وحدهم التحكم فيها، وتمنح إسرائيل قدرة متزايدة على التأثير في ملفات الأمن والطاقة والممرات البحرية والتكنولوجيا والتحالفات الإقليمية.
ومن ثم فإن الدفاع عن فلسطين لا ينبغي أن يُختزل في التضامن الأخلاقي مع شعب واقع تحت الاحتلال، رغم أهمية ذلك، بل يجب أن يُفهم أيضًا بوصفه دفاعًا عن قاعدة أساسية من قواعد الأمن القومي العربي واستقلال القرار الإقليمي ومنع احتكار القوة في الشرق الأوسط.
خامسًا: غزة والضفة والقدس في منظومة واحدة
تكشف مرحلة ما بعد الحرب عن خطر آخر يتمثل في محاولة التعامل مع غزة بوصفها قضية منفصلة عن الضفة الغربية والقدس، وتحويلها تدريجيًا إلى ملف إنساني أو أمني أو إعمار اقتصادي يمكن إدارته من خلال ترتيبات دولية وإقليمية، بعيدًا عن السؤال السياسي المتعلق بالاحتلال والسيادة وتقرير المصير.
إعادة إعمار غزة ضرورة لا خلاف عليها، وحماية المدنيين وإدخال المساعدات والتعافي الاقتصادي مسؤوليات قانونية وإنسانية عاجلة، لكن تحويل الإعمار إلى بديل عن الحل السياسي يعني عمليًا قبول إعادة إنتاج المشكلة في صورة جديدة؛ إذ يمكن إعادة بناء المباني بينما يبقى الاحتلال، ويمكن تحسين الوضع الإنساني بينما تستمر السيطرة، ويمكن إنشاء ترتيبات أمنية جديدة بينما تبقى فلسطين مجزأة سياسيًا وجغرافيًا.
ولهذا فإن أي مقاربة جدية لليوم التالي للحرب يجب أن تنطلق من وحدة غزة والضفة والقدس باعتبارها وحدة سياسية ووطنية وقانونية، وأن تتعامل مع الفلسطينيين باعتبارهم أصحاب القضية وشركاء في صياغة مستقبلهم، لا مجرد سكان يحتاجون إلى إدارة إنسانية أو ترتيبات أمنية.
سادسًا: أزمة المقاربة العربية — عندما تتحول إسرائيل إلى مركز المشهد
تكشف طريقة تناول بعض وسائل الإعلام والكتابات العربية للانتخابات الإسرائيلية عن أزمة أعمق من مجرد الإفراط في التغطية، وهي أزمة تتعلق بإنتاج المعرفة نفسها؛ إذ إن متابعة استطلاعات الرأي الإسرائيلية، وتحليل تصريحات السياسيين، ونقل الخلافات داخل الأحزاب، وقراءة الصحف العبرية، ومراقبة تحركات الجيش والمؤسسة الأمنية، أصبحت في بعض الأحيان نشاطًا قائمًا بذاته، بحيث تتحول الأحداث الإسرائيلية إلى أجندة جاهزة للنقاش العربي، بدل أن تكون مادة خامًا لإنتاج أجندة فلسطينية وعربية مستقلة.
وهكذا نجد أنفسنا نعرف الكثير عن السؤال الذي يشغل إسرائيل، لكننا لا نطرح بالقدر نفسه السؤال الذي ينبغي أن يشغلنا نحن؛ نعرف من يتقدم في استطلاع، ومن يتراجع، ومن يدعم نتنياهو ومن يعارضه، لكننا لا نعرف دائمًا ما الذي يمكن أن يفعله الفلسطينيون والعرب إذا جاءت حكومة جديدة، ولا كيف يمكن تحويل القيود التي تواجه إسرائيل إلى عناصر قوة فلسطينية وعربية، ولا كيف يمكن بناء سياسة عربية طويلة المدى تمنع تحويل الاحتلال إلى أمر واقع مقبول.
إن المشكلة ليست في قراءة الصحافة الإسرائيلية، بل في أن تتحول الصحافة الإسرائيلية إلى من يحدد لنا موضوع النقاش. فالصحيفة الإسرائيلية يجب أن تكون مصدرًا للمعلومة عن إسرائيل، لا مصدرًا لتعريف المشكلة الفلسطينية.
سابعًا: نقرأ إسرائيل لكي نفهمها، لا لكي نفكر من داخلها
إن القراءة الموضوعية لإسرائيل لا تعني تبني الرواية الإسرائيلية، كما أن فهم المخاوف الأمنية الإسرائيلية لا يعني منحها المشروعية أو وضعها فوق حقوق الشعب الفلسطيني؛ فالتحليل الجاد قادر على أن يدرس كيف ترى إسرائيل أمنها، وكيف تصوغ المؤسسة العسكرية تهديداتها، وكيف ينظر المجتمع الإسرائيلي إلى الفلسطينيين، وكيف تعمل الحركة الاستيطانية، وكيف تتفاعل السياسة مع الأمن، وفي الوقت نفسه يحافظ على المسافة الضرورية بين تفسير السلوك وتبريره، وبين فهم منطق القوة ومنحه الشرعية.
ومن هنا ينبغي تطوير منهج فلسطيني وعربي في قراءة إسرائيل يقوم على المقارنة بين ما تقوله إسرائيل عن نفسها وما تفعله على الأرض، وبين أهدافها المعلنة وقدراتها الفعلية، وبين خطابها الداخلي وحساباتها الدولية، وبين ما ترغب في تحقيقه وما تستطيع تحقيقه في ظل القيود السياسية والقانونية والاقتصادية والديموغرافية والإقليمية.
فالباحث الاستراتيجي لا يقيس أهمية التطور بما تقوله الصحافة الإسرائيلية عنه، وإنما بما يغيره هذا التطور في موازين القوة والمصالح والخيارات والقيود.
ثامنًا: أين فلسطين في كل هذا؟
المشكلة الأعمق أن فلسطين تظهر في بعض القراءات باعتبارها ساحة تتلقى الأحداث، لا باعتبارها طرفًا يستطيع التأثير فيها؛ فإذا انتخب الإسرائيليون حكومة جديدة ينتظر الفلسطينيون، وإذا أعلنت إسرائيل سياسة جديدة ينتظر العرب، وإذا تغير الموقف الأميركي ينتظر الجميع، وكأن الفاعلية السياسية موزعة على الآخرين بينما يقتصر الدور الفلسطيني على الاستجابة.
وهذا التصور يجب أن ينقلب جذريًا، لأن فلسطين لا تستطيع أن تكون مجرد موضوع لسياسات الآخرين إذا أرادت أن تحافظ على قضيتها ومشروعها الوطني؛ إذ إن استعادة الفاعلية تبدأ من الداخل، من إعادة بناء الشرعية السياسية، وتوحيد المؤسسات، وإنهاء الانقسام، وإجراء الانتخابات، وإعادة بناء منظمة التحرير، وإصلاح السلطة، وتطوير العلاقة بين المقاومة والعمل السياسي والقانون الدولي، وترسيخ سيادة القانون والسلم الأهلي، وبناء قيادة قادرة على اتخاذ القرار الوطني وفق رؤية استراتيجية واضحة.
إن الانتخابات الفلسطينية، في هذا السياق، لا ينبغي أن تُفهم باعتبارها رد فعل على الانتخابات الإسرائيلية، وإنما باعتبارها إحدى أدوات استعادة الذات السياسية الفلسطينية، وإعادة إنتاج الشرعية، وتطوير القدرة على تمثيل الشعب الفلسطيني في الداخل والشتات، وربط المؤسسات بالبرنامج الوطني بدل استمرار حالة التآكل والانقسام.
فقوة الفلسطينيين تبدأ من الداخل، وليس من انتظار تغير الحكومة الإسرائيلية.
تاسعًا: من المعرفة إلى القوة
لا تتحول المعرفة إلى قوة بمجرد امتلاك كم هائل من المعلومات، وإنما عندما تصبح المعلومات أساسًا للتحليل، والتحليل أساسًا للتقدير، والتقدير أساسًا للقرار، والقرار أساسًا للسياسة، والسياسة أساسًا للتأثير.
ومن هنا فإن المطلوب فلسطينيًا وعربيًا هو إعادة بناء منظومة متكاملة للمعرفة الاستراتيجية، تدرس إسرائيل والمجتمع الإسرائيلي والمؤسسة العسكرية والأمنية والاقتصاد والاستيطان والعلاقات الدولية، لكنها في الوقت نفسه تدرس المجتمع الفلسطيني، وبنية النظام السياسي، ومصادر القوة والضعف، والبيئة العربية والإقليمية، ومصالح القوى الدولية، بحيث لا تصبح إسرائيل هي المتغير الوحيد الذي يفسر مستقبل المنطقة.
وعندما تصبح هذه المعرفة جزءًا من صناعة القرار، يمكن تحويل التوثيق الحقوقي إلى مساءلة قانونية، والمساءلة القانونية إلى ضغط دبلوماسي، والضغط الدبلوماسي إلى كلفة سياسية، والإعلام إلى أداة لتثبيت الرواية الفلسطينية، والعلاقات العربية والدولية إلى أدوات لحماية الحقوق، والقدرة الشعبية إلى مصدر شرعية، وبذلك تنتقل القضية من موقع رد الفعل إلى موقع الفعل والتأثير.
عاشرًا: نحو مدرسة فلسطينية وعربية مستقلة في دراسة إسرائيل
الحاجة اليوم ليست إلى مزيد من المتابعين لإسرائيل، وإنما إلى بناء مدرسة فلسطينية وعربية مستقلة في دراسة إسرائيل، تكون مهمتها إنتاج المعرفة لا استهلاكها، وتطوير التقدير لا إعادة إنتاج الخبر، وتحديد ما يعنيه التحول الإسرائيلي بالنسبة إلى فلسطين والعرب، لا الاكتفاء بشرح ما حدث داخل إسرائيل.
وتحتاج هذه المدرسة إلى أن تدرس إسرائيل باعتبارها نظامًا سياسيًا ومجتمعًا ودولة وقوة احتلال وبنية استعمارية استيطانية وقوة إقليمية، وأن تربط بين هذه المستويات بدل فصلها، وأن تبحث في طبيعة الاستيطان وآليات الضم والتهجير وتغيير الوقائع، وفي جرائم الإبادة الجماعية والتطهير العرقي والانتهاكات الجسيمة للقانون الدولي، وفي قدرات إسرائيل وحدودها، وفي نقاط القوة والضعف، وفي طبيعة التحالفات الدولية والإقليمية التي تمنحها هامش الحركة، وفي الفرص التي يستطيع الفلسطينيون والعرب خلقها لتقييد هذه الحركة.
والسؤال النهائي لهذه المدرسة ليس: ماذا ستفعل إسرائيل بنا؟ فقط، وإنما أيضًا: ما الذي نستطيع نحن أن نفعله بما يحدث في إسرائيل؟
وهذا هو الفارق بين المعرفة التي تصف الواقع والمعرفة التي تصنع القدرة على تغييره.
الحادي عشر: ما الذي ينبغي أن تفعله القراءة الفلسطينية والعربية؟
إن إعادة بناء زاوية النظر لا تعني إنتاج خطاب دعائي مضاد، ولا استبدال الانحياز الإسرائيلي بانحياز عاطفي فلسطيني، وإنما تعني تأسيس قراءة استراتيجية دقيقة تنطلق من المصالح والحقوق الفلسطينية والعربية، وتفحص الوقائع كما هي، وتختبر الفرضيات بدل التسليم بها، وتفرق بين الخبر والمعلومة والتحليل والتقدير والاستشراف، وتبني السيناريوهات على أساس المتغيرات والفاعلين والمصالح والقدرات والقيود.
وبهذا المعنى فإن الموضوعية المطلوبة ليست موضوعية زائفة تتجاهل وجود الاحتلال أو تضع الجلاد والضحية في مستوى واحد، وإنما هي موضوعية معرفية ومنهجية تعني أن تكون الأدلة هي أساس الحكم، وأن لا تتحول الرواية الإسرائيلية إلى حقيقة لمجرد أنها صادرة عن مؤسسة إسرائيلية، وأن لا تتحول المواقف الفلسطينية إلى مسلمات لمجرد انسجامها مع الرغبة السياسية.
فالتحليل الموضوعي لا يلغي الموقف الأخلاقي والقانوني من الاحتلال، وإنما يجعله أكثر قوة؛ لأن الدفاع عن الحقوق يصبح قائمًا على معرفة دقيقة بالخصم، وعلى تقدير واقعي للقدرات والقيود، وعلى تحديد فعلي لنقاط التأثير.
التقدير الاستراتيجي
يمكن النظر إلى الانتخابات الإسرائيلية المقبلة باعتبارها لحظة محتملة لإعادة ترتيب القوة داخل إسرائيل، لكنها ليست بالضرورة لحظة تحول في جوهر المشروع تجاه فلسطين؛ فقد تتغير القيادة، وقد يعاد توزيع النفوذ بين الأحزاب والمؤسسات، وقد يحدث تصحيح في العلاقة بين السياسي والعسكري، وقد تسعى إسرائيل إلى تحسين صورتها الدولية وإعادة بناء تحالفاتها، لكن ذلك كله يمكن أن يجري بالتوازي مع استمرار الاحتلال والاستيطان والضم والسيطرة الأمنية، ما لم تُفرض كلفة سياسية وقانونية واستراتيجية تجعل استمرار هذه السياسات أقل جدوى من تغييرها.
ومن هنا فإن الرهان الفلسطيني والعربي على تغير الحكومة الإسرائيلية وحده يمثل مخاطرة استراتيجية؛ لأن إسرائيل قد تنتقل من مرحلة إدارة صدامية ومكلفة للاحتلال إلى مرحلة أكثر مؤسسية وكفاءة في إدارته، وقد تتحول من أزمة صورة إلى محاولة لإعادة بناء الشرعية الدولية، ومن ثم فإن نجاح «ما بعد نتنياهو» لا ينبغي أن يُقاس بمدى اعتدال الخطاب، وإنما بمدى تغير السلوك والوقائع.
وفي المقابل، فإن الفرصة الفلسطينية تكمن في إعادة بناء القدرة الذاتية، وتوحيد النظام السياسي، واستعادة الشرعية، وربط غزة بالضفة والقدس، وتفعيل القانون الدولي وآليات المساءلة، وتطوير الدبلوماسية الفلسطينية والعربية، وبناء جبهة دولية قادرة على رفع كلفة الاحتلال، وتطوير خطاب إعلامي ومعرفي لا يكتفي بملاحقة السردية الإسرائيلية وإنما ينتج رواية فلسطينية قادرة على المنافسة، وتحويل العلاقات العربية والدولية من مجرد قنوات اتصال إلى أدوات تأثير وحماية للمصالح والحقوق.
وعلى المستوى العربي، فإن التعامل مع إسرائيل يجب أن ينتقل من ردود الفعل إلى استراتيجية تستند إلى المصالح والأمن القومي، بحيث يُنظر إلى منع التهجير والضم وتصفية القضية، والحفاظ على وحدة الأراضي الفلسطينية، وحماية أمن مصر والأردن والدول العربية، ومنع تحويل إسرائيل إلى قوة مهيمنة على القرار الإقليمي، باعتبارها مصالح عربية مباشرة وليست مجرد مواقف تضامنية مع الفلسطينيين.
خاتمة: استعادة فلسطين لمركز التحليل
المطلوب في المرحلة المقبلة ليس أن نتوقف عن مراقبة إسرائيل، وإنما أن نتوقف عن السماح لإسرائيل بأن تحدد وحدها أسئلة التحليل الفلسطيني والعربي؛ فإسرائيل مهمة لأنها طرف رئيسي في الصراع، لكن فلسطين أهم لأنها القضية التي ينبغي أن يُقاس بها معنى التحولات الإسرائيلية، والمنطقة مهمة لأن مستقبل فلسطين لا ينفصل عن موازين القوة العربية والإقليمية والدولية.
إننا نحتاج إلى أن نقرأ إسرائيل بعمق أكبر، ولكن من موقع فلسطيني وعربي مستقل؛ نحتاج إلى فهم المجتمع الإسرائيلي دون تبني خياراته، ودراسة المؤسسة العسكرية دون الخضوع لمنطقها، وتحليل الانتخابات دون جعلها قدرًا فلسطينيًا، وقراءة الصحافة الإسرائيلية دون تحويلها إلى مرجعية، وفهم الحسابات الأمنية الإسرائيلية دون منحها الأولوية على الحقوق الفلسطينية، ودراسة التحولات داخل إسرائيل لا لمعرفة ما ستفعله إسرائيل بنا فقط، وإنما لمعرفة ما الذي نستطيع نحن أن نفعله بما يحدث فيها.
فلسطين يجب أن تعود إلى مركز التحليل، لا بوصفها ضحية تنتظر قرارات الآخرين، وإنما بوصفها فاعلًا يمتلك حقه في تقرير مصيره، ومصالحه، وأدواته، ومصادر قوته، وقدرته على التأثير.
إن الذي يراقب إسرائيل يعرف ما يحدث فيها، والذي يفهم إسرائيل يعرف كيف تتحرك، أما الذي يبني استراتيجية فلسطينية وعربية فيعرف ماذا سيفعل هو بما يحدث فيها.
ومن هنا تبدأ المعادلة الجديدة:
نقرأ إسرائيل لكي نفهم الاحتلال، ونفهم الاحتلال لكي نواجه جرائمه، ونواجه جرائمه لكي نحمي فلسطين، ونحمي فلسطين لكي تستعيد موقعها كفاعل في تشكيل مستقبل المنطقة.
وهكذا يصبح الانتقال المطلوب واضحًا: من مراقبة إسرائيل إلى مواجهة جرائمها، ومن متابعة تحولات الاحتلال إلى العمل على إنهائه، ومن قراءة مستقبل إسرائيل إلى صناعة مستقبل فلسطين، ومن انتظار ما يقرره الآخرون إلى استعادة الفلسطينيين والعرب قدرتهم على الفعل والتأثير.

