فتح: مشروع وطني بين الثوابت وواقعية السياسة
بقلم: عصام الحلبي
في عالم تتبدل فيه التحالفات وتتغير فيه موازين القوى، تبقى حركة فتح عنواناً واضحاً للهوية الفلسطينية ورافعة للحق الوطني. فهي لم تولد كتنظيم عابر، بل كمشروع وطني أراد إعادة الفلسطيني إلى موقعه الطبيعي صاحب الأرض والهوية والقرار.
ومنذ انطلاقتها رسمت حركة فتح لنفسها معادلة صعبة تقوم على التمسك بالثوابت الوطنية للشعب الفلسطيني والانخراط في معادلة سياسية واقعية تستطيع مخاطبة العالم دون التفريط بجوهر القضية الوطنية.
الثوابت خطوط حمراء لا تتبدل
في كل منعطف سياسي حرصت حركة فتح على التمسك بثوابت أساسية لا يمكن التنازل عنها، وفي مقدمتها إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة ذات السيادة، والقدس عاصمة لهذه الدولة، وحق عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى ديارهم.
هذه الثوابت لم تكن يوماً بالنسبة إلى فتح مجرد شعارات ترفع في المناسبات، بل كانت جزءاً من هويتها الوطنية والنضالية ومرجعيتها السياسية التي تصوب البوصلة كلما حاول الآخرون فرض حلول منقوصة أو مشاريع بديلة للقضية الفلسطينية.
واقعية السياسة في زمن الانحياز الدولي
تدرك فتح أن النظام الدولي تحكمه في كثير من الأحيان موازين قوى غير عادلة، وأن الولايات المتحدة ما زالت توفر للاحتلال الإسرائيلي غطاءً سياسياً وعسكرياً رغم ما يرتكبه من جرائم بحق الشعب الفلسطيني.
وفي مواجهة هذا الواقع اختارت الحركة خوض معركة سياسية ودبلوماسية طويلة النفس، والعمل على تثبيت الحقوق الفلسطينية في لغة القانون الدولي والشرعية الدولية، وكشف ازدواجية المعايير التي تتعامل بها القوى الدولية مع القضية الفلسطينية.
فالواقعية السياسية لا تعني التنازل عن الثوابت، بل تعني معرفة كيفية إدارة الصراع والاستفادة من المتغيرات الدولية والإقليمية لخدمة المشروع الوطني الفلسطيني.
مسارات النضال والتحول
لم تتوقف حركة فتح عن تطوير أدوات نضالها بما يتناسب مع كل مرحلة.
ففي مرحلة الكفاح المسلح حملت البندقية باعتبارها إحدى وسائل النضال التي أعادت فلسطين إلى الوعي العربي والدولي.
وفي مرحلة العمل السياسي والدبلوماسي دخلت الساحة الدولية بقوة من أجل تثبيت حضور فلسطين كقضية وطنية عادلة وحقوق شعب يطالب بحريته واستقلاله.
ومع قيام السلطة الوطنية الفلسطينية واجهت الحركة تحدي بناء مؤسسات وطنية على أرض ما زالت تحت الاحتلال ومحاولة تحويل ما أمكن من الأرض الفلسطينية إلى نواة لدولة مستقلة.
أما اليوم فإن فتح تواجه اختباراً جديداً في ظل استمرار الاحتلال والاستيطان والانقسام الفلسطيني، وهو اختبار يتطلب منها الحفاظ على وحدتها وتجديد شرعيتها الشعبية وبناء شراكة وطنية حقيقية تعيد للمشروع الفلسطيني حضوره وزخمه في مواجهة مشاريع التصفية.
البعد الداخلي بين التحديات والفرص
تضم حركة فتح أجيالاً وتيارات متعددة، وهذا التنوع كان دائماً أحد مصادر قوتها التاريخية، لكنه قد يتحول إلى تحد تنظيمي إذا لم تتم إدارته بروح فتحاوية جامعة.
ومن أبرز التحديات التي تواجه الحركة اليوم تجديد خطابها السياسي والتنظيمي بما يتناسب مع تطلعات الأجيال الجديدة التي تبحث عن رؤية واضحة تتجاوز إدارة الأزمات اليومية.
كما أن مواجهة الانقسام الفلسطيني والدفع باتجاه المصالحة الوطنية ليست قضية تكتيكية أو خياراً سياسياً عابراً، بل ضرورة وطنية ووجودية في مواجهة المخاطر التي تحيط بالقضية الفلسطينية.
أما الشرعية الشعبية فتبقى الأساس، واستمرار فتح في موقعها الوطني يتطلب الالتزام بإرادة الشعب الفلسطيني وتطلعاته والاقتراب من همومه وقضاياه بعيداً عن الحسابات الداخلية والضغوط الخارجية.
ومع ذلك فإن ما يميز فتح تاريخياً هو قدرتها على استعادة المبادرة عندما تنفتح على النقد والنقد الذاتي وتستثمر طاقاتها كافة، وخاصة طاقات الشباب، وتعيد الاعتبار لروحها الوحدوية التي شكلت واحدة من أهم أسباب قوتها واستمرارها.
فتح بين الماضي والمستقبل
قوة فتح لم تكن يوماً في امتلاك السلاح وحده، ولا في موقعها الرسمي داخل المؤسسات، بل في قدرتها على أن تكون مرجعية وطنية كبرى تجمع قطاعات واسعة من المجتمع الفلسطيني وتحافظ على حضور القضية الفلسطينية في وجدان الشعب والأمة والعالم.
واليوم، في زمن يتغول فيه الاستيطان ويحظى الاحتلال بدعم سياسي وعسكري أميركي، لا تملك فتح ترف التراجع أو التردد. وهي مدعوة أكثر من أي وقت مضى إلى استنهاض طاقاتها الداخلية وتجديد خطابها وتكريس حضورها وإعادة الاعتبار لمشروعها الوطني الوحدوي الذي ناضلت من أجله وقدمت في سبيله التضحيات.
إن معركة الحرية لم تنته، بل دخلت فصولاً أكثر قسوة وتعقيداً. وفتح التي عرفت كيف تشعل الثورة من تحت ركام النكبة، قادرة على إعادة إنتاج فعلها النضالي بروح جديدة تستند إلى ثوابتها الوطنية الكبرى، القدس عاصمة للدولة الفلسطينية، وحق العودة حق لا يسقط بالتقادم، وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة هدف وطني لا بد من تحقيقه.
والرسالة الأهم اليوم أن فلسطين لا تقاس بموازين القوى الراهنة وحدها، بل بقدرة شعبها على الصمود والتمسك بحقوقه حتى النهاية.
والتاريخ لا يرحم من يفرط بحقوق شعبه، لكنه يحفظ للشعوب التي تمسكت بأرضها وحقوقها وناضلت من أجل حريتها وكرامتها.
وفتح تعرف أن قدرها كان وما زال أن تكون في قلب هذه المعركة، كهوية ووجود ومصير، وأن مسؤوليتها اليوم ليست فقط الحفاظ على ما أنجزته عبر مسيرتها الطويلة، بل أن تكون قادرة على تجديد نفسها واستعادة ثقة شعبها وفتح الطريق أمام الأجيال القادمة لمواصلة المسيرة الوطنية حتى الحرية والاستقلال.
فتح: مشروع وطني بين الثوابت وواقعية السياسة
