كتب/ رامي الغف
تدخل غزة مرحلة بالغة الحساسية، تتطلب الانتقال من منطق إدارة الحرب والطوارئ إلى منطق التعافي وإعادة بناء المؤسسات. وفي هذه المرحلة، فإن مسؤولية لجنة إدارة غزة لا ينبغي أن تقتصر على تسيير الملفات اليومية، بل يجب أن تتحول إلى إدارة انتقالية قادرة على إعادة بناء الثقة بين المواطن والمؤسسة، ووضع أسس واضحة لمرحلة جديدة عنوانها الأمن، والعدالة، والخدمات، والإعمار، والمساءلة.
فالمواطن الغزي الذي أنهكته الحرب لا يبحث عن مزيد من البيانات والشعارات، وإنما يريد أن يرى تغييراً ملموساً في حياته اليومية. يريد أمناً يحميه، وخدمات تحفظ كرامته، ومساعدات تصل إلى مستحقيها، ومؤسسات تعمل بعدالة، وإعماراً لا تحكمه المحسوبية أو المصالح الضيقة.
والأولوية الأولى أمام لجنة إدارة غزة يجب أن تكون فرض الأمن وسيادة القانون، وإنهاء مظاهر الفوضى والفلتان وانتشار السلاح غير المنضبط.
غزة بحاجة إلى جهاز أمني مهني، يعمل وفق القانون، ويحمي المواطنين والممتلكات العامة والخاصة، بعيداً عن العائلية والفصائلية ومراكز القوى. فاستعادة الأمن ليست ترفاً، وإنما شرط أساسي لنجاح أي عملية إعمار أو تعافٍ اقتصادي واجتماعي.
المواطن لا ينتظر خطابات سياسية؛ هو يريد الماء والكهرباء والرعاية الصحية والتعليم والنظافة والخدمات البلدية.
وعليه، يجب أن تضع اللجنة خطة طوارئ واضحة لإعادة تشغيل الخدمات الأساسية، تتضمن أولويات محددة، ومسؤوليات واضحة، وجداول زمنية قابلة للقياس، حتى يعرف المواطن ماذا ستنجز اللجنة ومتى.
من الملفات الأكثر حساسية ملف المساعدات والإغاثة. فالمرحلة المقبلة يجب أن تشهد انتقالاً من الإغاثة العشوائية إلى منظومة مؤسسية شفافة تضمن وصول المساعدة إلى مستحقيها بعيداً عن المحاباة والواسطة والاحتكار.
كما يجب وضع آليات رقابة حقيقية على عمليات الاستلام والتخزين والتوزيع، ومحاسبة كل من يثبت تورطه في سرقة أو احتكار أو إساءة استخدام المساعدات.
إعادة الإعمار يجب أن تبدأ من الإنسان
إعادة إعمار غزة ليست مجرد بناء حجارة، وإنما إعادة بناء حياة كاملة.
الأولوية يجب أن تكون للمنازل المدمرة، والمستشفيات، والمدارس، وشبكات المياه والصرف الصحي، والكهرباء والاتصالات والطرق، إلى جانب دعم أصحاب المشاريع الصغيرة والعمال الذين فقدوا مصادر رزقهم.
ولا يجوز أن تتحول عملية الإعمار إلى مشاريع استعراضية بعيدة عن احتياجات الناس، بل يجب أن تكون الأولويات نابعة من الواقع الميداني ومن احتياجات المواطنين الفعلية.
أمام لجنة إدارة غزة مسؤولية تاريخية في حماية المال العام والأموال المخصصة للإغاثة والإعمار.
المطلوب نظام رقابة ومحاسبة واضح على كل المنح والمساعدات والعقود والمشاريع، مع شفافية في الإيرادات والمصروفات، وإتاحة المعلومات للرأي العام بالقدر الذي يسمح به القانون.
فمرحلة إعادة الإعمار يجب ألا تتحول إلى فرصة جديدة لظهور أثرياء جدد على حساب معاناة الناس.
لا يمكن بناء غزة بمؤسسات متنافسة أو مراكز قوى متعددة، فالمرحلة المقبلة تحتاج إلى مؤسسة واحدة، وقانون واحد، وإدارة واحدة، تعمل لخدمة المواطن وليس لخدمة الفصائل أو الأشخاص.
كما أن توحيد المؤسسات المدنية والمالية والقانونية يجب أن يكون جزءاً من مسار وطني أوسع، يمهد لإنهاء الانقسام واستعادة وحدة النظام الإداري والسياسي الفلسطيني.
المواطن يجب أن يكون في مركز القرار
ينبغي ألا تنسى اللجنة أن وراء كل ملف رقماً إنسانياً وقصة حياة.
هناك النازح الذي ينتظر العودة إلى منزله، والجريح الذي يحتاج إلى العلاج، وعائلة الشهيد التي تنتظر الإنصاف، والطفل الذي فقد مدرسته، والعامل الذي فقد مصدر رزقه، والموظف الذي ينتظر راتبه، والأسرة التي تعيش في خيمة وسط ظروف قاسية.
هؤلاء يجب أن يكونوا مركز السياسات والقرارات، وليسوا مجرد أرقام في التقارير.
لا يمكن إدارة مرحلة الإعمار والتعافي دون معلومات دقيقة.
لذلك يجب إنشاء قاعدة بيانات وطنية شاملة لحصر الأضرار والمنازل المدمرة، والنازحين، والشهداء والجرحى، والمنشآت الاقتصادية والتعليمية والصحية، والموظفين والعاطلين عن العمل.
البيانات الدقيقة تعني توزيعاً أكثر عدالة، وتقلل فرص التلاعب والمحسوبية، وتجعل القرارات مبنية على الاحتياجات الحقيقية للمجتمع.
غزة في هذه المرحلة لا تحتاج إلى توزيع المناصب بقدر حاجتها إلى أصحاب الخبرة والكفاءة والنزاهة.
المطلوب اختيار المسؤولين وفق القدرة على الإنجاز، والخبرة المهنية، والنزاهة، والقدرة على إدارة الملفات المعقدة، بعيداً عن المحاصصة السياسية أو الاعتبارات الشخصية.
فالمرحلة المقبلة تحتاج إلى رجال دولة وموظفين مهنيين، لا إلى أشخاص يبحثون عن مواقع ونفوذ.
من أخطر الأخطاء أن تتحول المرحلة الانتقالية إلى مرحلة مفتوحة بلا سقف زمني.
لذلك يجب أن تعلن اللجنة برنامجاً واضحاً: ماذا ستنجز خلال 30 يوماً؟ وماذا ستنجز خلال 90 يوماً؟ وماذا ستنجز خلال ستة أشهر؟
ويجب أن تكون هناك مؤشرات أداء واضحة، ومراجعة دورية للإنجازات، ومحاسبة للمقصرين، حتى يشعر المواطن أن هناك مؤسسة تعمل وفق خطة وليست وفق ردود الأفعال.
غزة لا تحتاج إدارة الأزمة فقط، بل تحتاج إلى إدارة المستقبل
المطلوب من لجنة إدارة غزة ليس أن تكون مجرد بديل إداري لجهة سابقة، وإنما أن تكون جسراً حقيقياً من الحرب إلى الاستقرار، ومن الفوضى إلى القانون، ومن الإغاثة إلى التعافي، ومن الدمار إلى الإعمار، ومن الانقسام إلى المؤسسة الوطنية الموحدة.
والنجاح الحقيقي للجنة لن يقاس بعدد الاجتماعات والبيانات والمؤتمرات، وإنما بما يلمسه المواطن في حياته اليومية.
فالسؤال الذي يجب أن يكون حاضراً أمام كل مسؤول هو:
هل أصبحت حياة المواطن أفضل؟
هل أصبح أكثر أمناً؟
هل وصلت المساعدات إلى مستحقيها؟
هل بدأت عجلة الإعمار بعدالة وشفافية؟
هل أصبحت مؤسساتنا أكثر كفاءة ونزاهة؟
وهل يشعر المواطن أن صوته وحقوقه وكرامته أصبحت في صميم القرار؟
إذا استطاعت لجنة إدارة غزة أن تجيب عن هذه الأسئلة بأفعال ملموسة، فإنها ستكون قد وضعت قدمها على الطريق الصحيح.
أما إذا بقيت المرحلة الجديدة أسيرة البيانات والمناصب والمحاصصة، فإن غزة لن تكون قد خرجت من إدارة الحرب، بل ستكون قد انتقلت فقط إلى إدارة أخرى للأزمة.
غزة تستحق أكثر من إدارة مؤقتة للأزمة؛ غزة تستحق مشروعاً وطنياً يعيد للإنسان أمنه وكرامته وأمله بمستقبل أفضل. عرض أقل

