مصر والأرمن… حين انتصرت الإنسانية على المجازر
بقلم : مروة الخيال
في كل عام، تعود ذكرى الإبادة الجماعية للأرمن (1915–1917) لتفتح جرحًا لم يندمل في الذاكرة الإنسانية. ليست مجرد حادثة تاريخية عابرة، بل واحدة من أكثر الصفحات قسوة في تاريخ القرن العشرين، حيث تحوّل شعبٌ بأكمله إلى هدفٍ للقتل والاقتلاع والتشريد. لكن وسط هذا الظلام، تبرز مواقف مضيئة… وكان لمصر نصيب بارز منها.
حين ضاقت الأرض بالأرمن الهاربين من بطش الدولة العثمانية، فتحت مصر أبوابها دون تردد. لم تكن تلك الخطوة مجرد استقبال لاجئين، بل كانت إعلانًا أخلاقيًا بأن هذه الأرض قادرة على أن تكون ملاذًا حين تنهار القيم في أماكن أخرى. في القاهرة والإسكندرية، لم يُنظر إلى الأرمن كغرباء، بل كضحايا يستحقون الحياة، وكبشر يحملون حق النجاة.
المجتمع المصري، بطبيعته المتجذرة في التعدد والانفتاح، لم يقف موقف المتفرج، بل انخرط في فعل التضامن الحقيقي: بيوت فُتحت، موائد امتدت، وأيدٍ عملت لتوفير الحد الأدنى من الكرامة لمن فقدوا كل شيء. لم تكن المساعدات مجرد صدقات، بل كانت تعبيرًا عن وعي جمعي بأن ما حدث للأرمن ليس شأنًا بعيدًا، بل اختبارٌ لإنسانية الجميع.
في هذا السياق، لعبت المؤسسات دورًا لا يقل أهمية. برز الهلال الأحمر المصري كإحدى الجهات التي ساهمت في تنظيم الإغاثة، فيما احتضنت الكنائس والجمعيات الخيرية العائلات الأرمنية، خاصة النساء والأطفال الذين حملوا ذاكرة الألم والنجاة معًا. هكذا تحوّل الدعم إلى منظومة متكاملة، لا تكتفي بإنقاذ الأرواح، بل تسعى لإعادة بناء الحياة.
لكن الأهم من الاستقبال كان ما تلاه: الاندماج. لم يبقَ الأرمن على هامش المجتمع، بل أصبحوا جزءًا من نسيجه. أسسوا مدارسهم، حافظوا على ثقافتهم، وفي الوقت نفسه ساهموا في بناء الاقتصاد والفن والحياة العامة. من المأساة وُلدت شراكة، ومن الألم خرج حضورٌ إنساني وثقافي أغنى مصر وأضاف إليها.
ورغم أن مصر آنذاك كانت تحت النفوذ البريطاني، ما حدّ من قدرتها على اتخاذ مواقف سياسية صلبة، إلا أن الصحافة والرأي العام لم يلتزما الصمت. كُتبت المقالات، ونُقلت الروايات، وبقي صوت التعاطف حاضرًا في وجه محاولات التعتيم. كان ذلك موقفًا أخلاقيًا بامتياز، حتى وإن غابت عنه القوة السياسية الرسمية.
اليوم، لا تُقرأ هذه القصة فقط كجزء من التاريخ، بل كرسالة إلى الحاضر. في عالمٍ لا تزال فيه المآسي تتكرر، تذكّرنا تجربة مصر مع الأرمن بأن الإنسانية ليست شعارًا، بل فعل. وأن استقبال المظلومين واحتضانهم ومنحهم فرصة جديدة للحياة هو ما يصنع الفارق الحقيقي بين المجتمعات. مصر لم تُوقف المجزرة… لكنها منحت الناجين معنى البقاء، وهذا في زمن الإبادة كان انتصارًا بحد ذاته.
مصر والأرمن… حين انتصرت الإنسانية على المجازر

