حين يفترض ان تهدأ المدن ونستريح الارواح
هيسم شملوني
في المساء، حين يُفترض أن تهدأ المدن وتستريح الأرواح، انفتح الجحيم من السماء. لم يكن القصف مجرد فعلٍ عسكري، بل كان اقتحاماً فجاً لمعنى الإنسانية ذاته، كأن الطائرات لم تحمل قنابلها فحسب، بل حملت معها عطباً أخلاقياً عميقاً يضرب في جذور هذا العالم.
هناك، في تلك الأحياء التي كانت قبل لحظات تضج بالحياة – بصوت أم تنادي طفلها، وبضحكة شاب يراوغ تعبه، وبنافذة نصف مفتوحة تنتظر نسمة – تحول كل شيء إلى صمت ثقيل، صمت لا يشبه السكون، بل يشبه الغياب. غياب العدالة، غياب الرحمة، غياب أي معنى يمكن أن ينقذ هذا المشهد من قسوته العارية.
أي زمن هذا الذي تقصف فيه البيوت على رؤوس ساكنيها، لا لذنب اقترفوه، بل لأنهم وجدوا في الجغرافيا الصحيحة، كل في بيته وعمله ومدرسته، في لحظة قررت فيها القوة أن تستعرض فائض بطشها؟ وأي منطقٍ همجي هذا الذي يمنح الضوء الأخضر لآلة الموت كي تمضي، بلا تردد، فوق أجساد المدنيين، وكأن العالم قد اعتاد أن يطفئ ضميره عند حدود المصلحة؟
هذه ليست جريمة عابرة، وإنما هي امتداد لجرح مفتوح، يتوارثه الألم جيلاً بعد جيل. جرح يذكرنا أن الدم حين يستباح، لا يعود الحديث عن السياسة كافياً، ولا عن التوازنات، ولا عن البيانات الباردة التي تُكتب بلغة ملساء تخفي رائحة الرماد.
في تلك اللحظة، حين تتساقط الأبنية كأوراق يابسة، لا يبقى من الحقيقة إلا وجه الإنسان العاري: طفل يبحث عن أمه تحت الركام، أم تنادي باسم لن يجيب، وسماء تشهد ولا تتدخل. هناك فقط، تنكشف الفضيحة الكبرى: أن العالم، بكل مؤسساته وخطاباته، قد عجز مرةً أخرى عن أن يكون إنسانياً.
ومع ذلك، يبقى السؤال معلقاً في الهواء، كصرخة لا تجد صدى: كم من المجازر يحتاج هذا العالم كي يعترف بأن الدم واحد، وأن العدالة لا تُجزأ، وأن الصمت – أياً كان شكله – ليس حياداً، وإنما شراكة غير مؤجلة في الجريمة؟
حين يفترض ان تهدأ المدن وتستريح الارواح

