روما تناقش مفترق العالم: بين منطق الهيمنة وصوت السلام
تقرير حول ندوة “السلام أم الصراع العالمي؟” وتحليل تصاعد عدوانية النظام الأحادي القطبية في زمن الأزمات
بقلم مادالينا سيلانو
روما – زين الوطن
في لحظة دولية تتقدّم فيها لغة السلاح على لغة الدبلوماسية، احتضن مقهى هورافيليكس الأدبي في العاصمة الإيطالية روما لقاءً جيوسياسياً رفيع المستوى بعنوان: “السلام أم الصراع العالمي؟”، بحضور شخصيات دبلوماسية وإعلامية وأكاديمية، وجمهور مدني أبدى تفاعلاً لافتاً يعكس قلقاً متزايداً من مسار النظام الدولي.
الندوة، التي نُظّمت بمبادرة من جمعية الصداقة وجمعية ويلكم إيطاليا، جاءت في إطار قراءة معمّقة للتحولات العالمية، لا سيما في ظل تصاعد التوترات الدولية وتآكل منظومة التعددية التي حكمت العلاقات الدولية لعقود.
بين تراجع الأحادية وتصاعد العدوانية
في كلمتي الافتتاحية، شددتُ على ضرورة بناء “حصون من الأفكار” لمواجهة منطق الحرب، مؤكدة أن الثقافة والنقاش الواعي يشكلان خط الدفاع الأول أمام محاولات تطبيع العنف.
السفير برونو سكابيني قدّم مقاربة جيوسياسية واضحة، اعتبر فيها أن النظام الأحادي القطبية، كلما اقترب من مرحلة التراجع، ازداد ميلاً إلى العدوانية. ورأى أن تصاعد النزاعات ليس دليلاً على القوة، بل تعبير عن أزمة هيمنة. وفي هذا السياق، أعاد طرح فكرة دراسة حياد إيطاليا كخيار سيادي يحرر البلاد من الاصطفافات العسكرية ويعيد الاعتبار لمبدأ الاستقلال الوطني في السياسة الخارجية.
الاقتصاد كساحة صراع خفي
الصحفي فابريزيو كاساري تناول البعد الاقتصادي للأزمة العالمية، متحدثاً عن ما وصفه بـ”القرصنة المالية” التي تمارسها قوى كبرى دفاعاً عن هيمنة الدولار وإدارة دين أمريكي متضخم. وأشار إلى أن العقوبات الاقتصادية والأدوات المالية أصبحت بديلاً عن الحروب التقليدية، وأن الفوضى الدولية تعكس محاولة نظام متراجع الحفاظ على موقعه عبر أدوات الضغط المالي والنقدي.
الموقف الكوبي: السيادة والكرامة في مواجهة الحصار
في مداخلة لافتة، تحدث سعادة داميان ديلجادو فاسكيز، المستشار السياسي لسفارة جمهورية كوبا في إيطاليا، مؤكداً أن العالم يشهد تراجعاً خطيراً لمبادئ التعددية واحترام القانون الدولي.
استحضر في كلمته مقولة خوسيه مارتي: “خنادق الأفكار أثمن من خنادق الحجارة”، معتبراً أن الصراع الحقيقي اليوم هو صراع على القيم والمبادئ.
وجدد التأكيد على دعم كوبا التاريخي للشعب الفلسطيني في نضاله من أجل حقوقه، معتبراً أن ما يجري في فلسطين يشكل اختباراً أخلاقياً للنظام الدولي. كما عبّر عن تضامن بلاده مع الدول التي تواجه عقوبات أحادية، مشيراً إلى أن الحصار المفروض على كوبا يمثل انتهاكاً للقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة.
وتطرق إلى الدور الذي لعبته هافانا في مسارات السلام الدولية، سواء عبر استضافة مفاوضات السلام الكولومبية أو إعلان أمريكا اللاتينية والكاريبي “منطقة سلام”، معتبراً أن تجربة بلاده تثبت أن الحوار ممكن حتى في أكثر الظروف تعقيداً.
وأكد أن أي علاقة دولية يجب أن تقوم على المساواة والاحترام المتبادل، لا على الإملاءات، وأن الدفاع عن السيادة الوطنية لا يتعارض مع الانفتاح على التعاون الدولي.
ثقافة المقاومة المدنية
شهد اللقاء نقاشاً مفتوحاً تميز بأسئلة معمّقة من الحضور، عكست إدراكاً مدنياً متنامياً لخطورة المرحلة. لم يكن الحدث مجرد ندوة فكرية، بل مساحة للتفكير الجماعي في مستقبل العالم، وللبحث عن بدائل سياسية وأخلاقية لمسار التصعيد.
وفي ختام الأمسية، شدد المشاركون على أن مواجهة “تطبيع البربرية” لا تتم عبر الاصطفاف الأعمى، بل عبر استعادة مركزية القانون الدولي والتعددية واحترام سيادة الدول.
خيار السلام
بين جدران مقهى أدبي، وتحت أضواء نقاش هادئ لكنه عميق، برزت قناعة مشتركة
بأن العالم يقف عند مفترق طرق حقيقي، وأن الخيار بين السلام والصراع ليس قدراً محتوماً، بل نتيجة خيارات سياسية وأخلاقية.
في زمن الاضطراب، تبقى قوة الأفكار هي السلاح الأشد تأثيراً، والرهان الحقيقي على وعي الشعوب وقدرتها على الدفاع عن مستقبل أكثر عدلاً وأمناً.



