شبكة الأخبار الفلسطينية - P.N.NEWS
اعلان عرضي
اعلان عرضي

سر ديمومة حركة فتح

سر ديمومة حركة فتح

سر ديمومة حركة فتح

صائب قبيعة

تعرضت حركة فتح، خلال مسيرتها النضالية الطويلة، لسلسلة من الأزمات والمنعطفات التاريخية الحادة، إلا أنها استطاعت في كل مرة أن تتجاوز هذه المحن وتخرج منها أكثر تماسكًا وقوة، محافظة على حضورها وديمومتها في قلب المشروع الوطني الفلسطيني. ومن أبرز تلك الأزمات أحداث أيلول عام 1970 وما ترتب عليها، والحرب الأهلية اللبنانية بما فيها معركة تل الزعتر ودور النظام السوري والقوى الانعزالية اللبنانية، إضافة إلى الانشقاق الداخلي المدعوم من سوريا وليبيا، ومعركة طرابلس عام 1983، وصولًا إلى مرحلة التسوية السياسية واتفاق أوسلو عام 1993.
إن سر ديمومة حركة فتح يكمن أولًا في كونها تمثل الهوية الوطنية الفلسطينية الجامعة، فهي حركة تضم مختلف فئات الشعب الفلسطيني واتجاهاته ومذاهبه، وتجسد المشروع الوطني الفلسطيني الذي نشأت استجابةً لواقعه. ولم تكن فتح يومًا فكرة عابرة، بل جاءت كحاجة وطنية ضرورية، وأصبحت مرادفة للنضال الفلسطيني وعنوانًا له.
وقد استطاعت الحركة أن تجذب شرائح واسعة من الشعب الفلسطيني انطلاقًا من قناعتها بأن الوطن يتفوق على الأحزاب والتنظيمات، وأن الحركة وجدت من أجل الوطن لا العكس، فهي وسيلة للتحرير وليست غاية بحد ذاتها. كما آمنت بأن النضال من أجل الحرية هو واجب وحق لكل أبناء الشعب الفلسطيني دون استثناء.
ومن أبرز عوامل استمرارية الحركة قدرتها على تجديد نفسها عبر تعاقب الأجيال، بحيث تحقق انتقالًا طبيعيًا في القيادة والأدوار دون الوقوع في صراع الأجيال، إضافة إلى اعتمادها مختلف أشكال النضال، من الكفاح المسلح إلى المقاومة الشعبية والعمل السياسي والدبلوماسي.
كما رسخت فتح قناعتها بأن الصراع مع العدو الصهيوني هو الصراع الأساسي والمركزي، وأن ما عداه من صراعات هو ثانوي، فهي النقيض المباشر للمشروع الصهيوني. وقد حافظت الحركة على استقلالية قرارها الوطني، ولم ترهن إرادتها لأي جهة خارجية، ملتزمة بما ورد في نظامها الداخلي: «حركة فتح لا تتدخل في الشؤون الداخلية للدول العربية ولا تسمح لأحد بالتدخل في شؤونها» (المادة 27).
وتُعد المرونة التنظيمية والتماسك الداخلي من أهم أسباب استمرار الحركة، فعلى الرغم من وجود تيارات سياسية متعددة وخلافات داخلية، إلا أن فتح امتلكت القدرة على احتواء هذه الخلافات ومعالجتها دون السماح بتفاقمها، مقارنةً بالعديد من التنظيمات الفلسطينية الأخرى. كما ساهمت العلاقات الداخلية القائمة على الأخوية وقانون المحبة داخل أطر الحركة في تعزيز قدرتها على مواجهة التحديات والمخاطر.
وليس من المبالغة القول إن انطلاقة حركة فتح كانت هي نفسها انطلاقة الثورة الفلسطينية المعاصرة، فهي العمود الفقري للثورة، إن لم تكن هي الثورة ذاتها، والعنوان الجامع للفلسطينيين في مختلف أماكن وجودهم. وعلى الرغم من المؤامرات والاستهداف المستمر الذي تعرضت له الحركة على مدى عقود، إلا أنها بقيت تتبوأ موقع الصدارة في النظام السياسي الفلسطيني.
وتؤكد نتائج الانتخابات التي جرت وتجري هذه الحقيقة، حيث تمكنت حركة فتح من تحقيق الفوز في الغالبية الساحقة منها، رغم تحالف معظم الفصائل والتنظيمات الأخرى في مواجهتها. فالتنظيمات الفلسطينية، سواء التي سبقت ظهور فتح أو التي جاءت بعدها، لم تستطع أن تضاهيها في شعبيتها أو في حجم التفاف الشعب الفلسطيني حولها، رغم ما حظيت به بعض هذه التنظيمات من دعم إقليمي أو إسلامي.
ويكمن سر هذا الالتفاف الشعبي في وطنية حركة فتح، فهي انطلقت من عمق معاناة الشعب الفلسطيني وربطت نفسها بالجماهير، كما ورد في مقدمة نظامها: «إن الثورة الشعبية المسلحة التي نخوضها تنطلق من موقف مبدئي وهو أن قضيتنا هي قضية الجماهير وليست قضية فئة مميزة ومنفصلة عنها، وأن الشعب قادر على ممارسة النضال بكفاءة عالية وحدس صادق، وهو القائد الحقيقي للثورة».
وخلاصة القول، إن سر ديمومة حركة فتح يعود إلى كونها الفكرة الوطنية الجامعة التي تمثل الكل الفلسطيني، وقدرتها على التكيف مع المتغيرات ومواجهة الأزمات. فهي فكرة وطن قبل أن تكون تنظيمًا، ومع تعثر التنظيم أو اشتداد التحديات تبقى فكرة الوطن هي الضرورة التي نشأت الحركة من أجلها، وهي سر استمرارها وبقائها.

مشاركة

مشاركة الخبر

أدوات
البريد الإلكتروني
إعلانات
اعلان عامودي
اعلان عامودي اخر
اعلان عرضي