سوريا بين واشنطن وبكين: دمشق الجديدة على الطريق إلى المتوسط
وائل المولى – كاتب وصحفي
تدخل سوريا الآن مرحلة إعادة تعريف عميقة لدورها الإقليمي والدولي، مع تحول موازين القوى العالمية وتصاعد حدة التنافس الاستراتيجي في الشرق الأوسط. بعد إعلان تحالفها مع واشنطن والانفتاح الدولي المتزايد تجاه الحكومة الانتقالية، تتجه دمشق نحو بناء شبكة علاقات أكثر توازناً، لا ترتبط بمحور واحد، بل قادرة على استثمار المواجهة بين القوى العظمى.
في هذا السيناريو، تبرز الصين كأحد ركائز “سوريا الجديدة” سياسيًا واقتصاديًا. ورغم احتفاظها بحضورها خلال عهد النظام السابق، إلا أن بكين لم تمارس نفوذًا مباشرًا، بل كانت تعمل بشكل رئيسي من خلال موسكو أو من خلال تنسيق محدود مع إيران. أما اليوم، وبفضل الاعتراف الدولي بالحكومة الانتقالية، تستطيع الصين التعامل مع دمشق باستقلالية أكبر، مستفيدةً من هامش أوسع للمناورة.
كانت بكين قد التزمت سابقًا بالعقوبات الدولية التي تُقيّد الاستثمار في البلاد. إلا أن تخفيف الإجراءات ورفع القيود عن الرئيس المؤقت أحمد الشرع ووزير الداخلية أنس خطاب مهّد الطريق لعودة صينية أكثر حزمًا، دون الاصطدام بالغرب.
لا تنظر دمشق إلى الصين كبديل للنفوذ الأمريكي، بل كثقل موازن استراتيجي يضمن حرية حركة أكبر. وفي إطار مبادرة الحزام والطريق، تنظر بكين إلى سوريا على أنها أقصر ممر وأكثرها فعالية إلى البحر الأبيض المتوسط وأوروبا، وربما أكثر فائدة من الطرق عبر تركيا أو سيناء، شريطة أن ترسخ البلاد استقرارها. ومن شأن هذا الممر أن يُقلل أوقات العبور إلى أقل من يومين، وهي ميزة مهمة لاقتصاد صيني قادر على المنافسة عالميًا في سياق دولي يتسم بتباطؤ هيكلي.
مع ذلك، تتقدم بكين بحذر. وتظل استراتيجيتها تدريجية: مشاريع صغيرة قابلة للتوسع، وتمويل محدود، واستثمارات مدروسة، ونهج دبلوماسي مرن. يعكس هذا الحذر واقعية الصين، الموجهة نحو بناء نفوذها دون تكبد تكاليف سياسية باهظة أو مخاطر أمنية مباشرة.
بالنسبة لدمشق، لا تُمثل الصين شريكًا اقتصاديًا فحسب، بل أيضًا شريكًا سياسيًا. فبكين قادرة على المساعدة في إعادة التوازن إلى القضايا الإقليمية المعقدة، كالنزاعين الإسرائيلي–الفلسطيني والإيراني، بفضل علاقاتها الواسعة مع تركيا وإسرائيل ودورها المتنامي في الدبلوماسية متعددة الأطراف. علاوة على ذلك، تتمتع الصين بنفوذ دبلوماسي يُمكن أن يُسهّل الانفراج بين أنقرة وتل أبيب، مما يُؤثر بشكل مباشر على استقرار سوريا.
يبقى الحزب الإسلامي التركستاني، الذي تعتبره بكين تهديدًا للأمن القومي، القضية الأكثر حساسية. وتفتح هذه القضية الباب أمام أشكال من التعاون الأمني مع دمشق، قد تُمثل نقطة تحول حقيقية في العلاقات الثنائية.
في هذا السياق، تُعدّ زيارة وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني إلى بكين رمزية واضحة: فسوريا تتصرف كشريك لا تابع. تُقدّم واشنطن غطاءً سياسيًا، بينما تُقدّم الصين قوة اقتصادية وإمكانية الوصول إلى مساحات إقليمية يقلّ فيها حضور الغرب.
اليوم، يرى كلا الجانبين فرصة نادرة: إذ قد تحصل الصين على ممر مستقر إلى البحر الأبيض المتوسط، بينما قد تجد سوريا شريكًا موثوقًا به لإعادة إعمار البلاد وتنميتها واستقرارها. ومع ترسيخ العملية السياسية، قد يصبح هذا التقارب أحد ركائز جغرافية الشرق الأوسط الجديدة.



