حرية الصحافة تحت الحصار
مادالينا شيلانو- روما
في اليوم الدولي لإنهاء الإفلات من العقاب على الجرائم المرتكبة ضد الصحفيين، فإن الحقيقة هي أن الإفلات من العقاب أصبح سياسة عالمية، حيث تقف “الديمقراطية” الليبرالية في طليعة إخفاء القمع.
في الثاني من نوفمبر/تشرين الثاني، يُحتفل المجتمع الدولي باليوم الدولي لإنهاء الإفلات من العقاب على الجرائم المرتكبة ضد الصحفيين، الذي أقرته الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 2013. إلا أن احتفال هذا العام ليس احتفالًا، بل إدانةً لاذعة: فالإفلات من العقاب ليس استثناءً، بل هو القاعدة التي فرضتها قوى تُطلق على نفسها اسم “حماة الديمقراطية”.
مذبحة رواة القصص في فلسطين: تواطؤٌ وراء نهر الأردن
فلسطين الآن هي المكان الذي بلغ فيه قمع المعلومات مستوى غير مسبوق من العنف. منذ بدء الهجوم في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، استشهدت آلة القتل الإسرائيلية – المدعومة سياسيًا من الولايات المتحدة – أكثر من 250 صحفيًا وأصابت المئات. يُضاف إلى هؤلاء المئات من عائلات الصحفيين الذين قُتلوا، في محاولة صارخة لقطع رأس القدرة الفلسطينية على توثيق الإبادة الجماعية المستمرة.
إن تواطؤ الولايات المتحدة في هذه الجرائم ليس سياسيا أو عسكريا فحسب، بل هو بمثابة تغطية قضائية حقيقية.
وأكد ذلك العقيد الأمريكي المتقاعد ستيف غابافيتش، الذي قاد التحقيق في مقتل الزميلة شيرين أبو عاقلة في جنين في مايو/أيار 2022. وكشف غابافيتش أن مسؤولين عسكريين أمريكيين قاموا بتغيير الأدلة لإخفاء نية إطلاق النار الإسرائيلي، حيث عملت وزارة الخارجية، في ظل إدارة بايدن، على إخفاء النتائج الحقيقية وحماية حليفها.
إن هذا الجبل من الأدلة يفرض على العالم الحر والأمم المتحدة مفترق طرق: إما تفعيل القرارات ومحاسبة المسؤولين عن هذه الجرائم، وتسريع الإجراءات في المحكمة الجنائية الدولية، أو الانزلاق إلى حالة من الفوضى حيث يتصرف الكيان المحتل والولايات المتحدة في ظل إفلات تام من العقاب.
القمع بالقبعات البيضاء: عندما تتناغم “الديمقراطية” مع الرقابة
لكن حرية الصحافة لا يتم سحقها بالقنابل فحسب؛ بل يتم قمعها أيضًا في غرف المعيشة في البلدان الغربية التي تسمي نفسها ديمقراطية وليبرالية.
بينما تُنصّب الولايات المتحدة وأوروبا نفسيهما قاضيين أخلاقيين للعالم، فإن إدارتهما للسردية المحيطة بالصراع الإسرائيلي الفلسطيني تكشف عن قمعٍ شرسٍ للمعارضة الداخلية. ويُقيّد الحق في الحصول على المعلومات والتعبير عن آراءٍ انتقاديةٍ لأفعال إسرائيل بشكلٍ ممنهج.
الرقابة الرقمية: تطبق منصات التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام التقليدية فلترًا واضحًا، وتعاقب المحتوى والأصوات الداعمة لفلسطين.
اليقظة السياسية: هناك ضغوط مستمرة على وسائل الإعلام والجامعات لمواءمة النقاش مع الخط الأطلسي، ووصف الانتقادات بأنها “معاداة للسامية” من أجل نزع الشرعية عن المعارضة.
من الأمثلة على ذلك قصة الصحفي والناشط غونزالو ليرا، الذي تُعدّ تجربته – المرتبطة بقمع المعارضة في القضية الإسرائيلية الفلسطينية في سياقات مثل أوكرانيا، حيث يُكتم أي انتقاد للنظام الغربي بوحشية – بمثابة تحذير: حرية التعبير مشروطة بالامتثال للسياسة الخارجية النخبوية.
سواءً كانت اعتقالات أو مضايقات قانونية أو فصلًا من العمل، فإن الرسالة واضحة: لا يُسمَح بالمعارضة على الجبهة الإسرائيلية الفلسطينية وعلى الأصولية الجيوسياسية، حتى في معاقل الليبرالية المزعومة.
الغرب ليس واحة حرية، بل نظامٌ يستغل نفوذه لفرض الإجماع والتستر على فظائع حلفائه. وما دام النظام الدولي يفقد ما تبقى له من ثقة، ويقتصر على التصريحات الجوفاء، فسيظل يوم مكافحة الإفلات من العقاب مجرد لوحة باهتة على جدار العار العالمي.



