شبكة الأخبار الفلسطينية - P.N.NEWS
اعلان عرضي
اعلان عرضي

إرنستو “تشي” جيفارا بعد 58 عامًا… الأممية توحّد الأمريكتين والعالم العربي

إرنستو “تشي” جيفارا بعد 58 عامًا… الأممية توحّد الأمريكتين والعالم العربي

إرنستو “تشي” جيفارا بعد 58 عامًا… الأممية توحّد الأمريكتين والعالم العربي

بقلم :مادلينا تشيلانو

“التضامن هو حنان الشعوب.” إرنستو “تشي” جيفارا

في 9 أكتوبر 1967، في مدرسة صغيرة في “لا إيغيرا” في بوليفيا، تم اغتيال إرنستو “تشي جيفارا”، الطبيب الأرجنتيني، والمناضل الثوري، والمفكر، والرمز الخالد لتحرّر الشعوب. لقد مرّت ثمانية وخمسون سنة على ذلك اليوم، ومع ذلك ما زالت صورته حاضرة في الوعي الجمعي لكل من يؤمن بإمكانية بناء عالم أكثر عدلًا في هذه الأيام، في أمريكا اللاتينية، وفي إفريقيا، وفي العالم العربي، تعود صوره لترفع في المسيرات، والمناظرات، والساحات، وعلى الجدران، وفي قلوب من يرفضون الاستسلام للإمبريالية واليأس.

لم يكن جيفارا مجرد مقاتل من أجل حرية كوبا، بل كان ثوريًا أمميًا من العالم الثالث، يؤمن بأن تحرير أي شعب لا يمكن أن يكتمل دون تحرير جميع الشعوب. في رؤيته، كانت ثورات أمريكا اللاتينية وإفريقيا والعالم العربي أجزاءً من عملية تحرّر عالمية واحدة ضد القيود الاقتصادية والسياسية والثقافية التي يفرضها الغرب.

بهذه الروح، وبعد انتصار الثورة الكوبية عام 1959، بدأ جيفارا رحلة سياسية ودبلوماسية طويلة قادته أيضًا إلى الشرق الأوسط، حيث زار مصر في عهد جمال عبد الناصر، وسوريا، وخصوصًا قطاع غزة الذي كان آنذاك تحت الإدارة المصرية. تلك الزيارة، التي غالبًا ما تُنسى في الغرب، تمثّل فصلًا أساسيًا في تاريخه: فقد زار تشي مخيمات اللاجئين الفلسطينيين وتحدث مباشرة إلى الشعب اللاجئ خارج بيوته وأرضه، معترفًا بكرامته ومعاناته وقوته. وبكلمات بسيطة لكنها قوية، أعلن أن القضية الفلسطينية جزء لا يتجزأ من النضال العالمي ضد الإمبريالية.
ذلك التصريح، في زمن كانت فيه فلسطين شبه منسية من القوى الدولية، انتشر في جميع أنحاء العالم العربي. ومنذ تلك اللحظة، أصبح تشي رمزًا للتضامن مع الشعوب العربية، ليس فقط كأيقونة ثورية، بل كرفيق نضال، وصفته الصحف المصرية والسورية آنذاك بأنه “صديق الشعوب العربية” و”طبيب الفقراء والمناضلين”. وقد استقبله عبد الناصر باحترام وتقدير، معترفًا فيه بأخٍ في معركة التحرّر الوطني والسيادة.

لقد مثّل اللقاء بين الاشتراكية اللاتينية والقومية العربية الناصرية لحظة سامية من لحظات الأممية السياسية في القرن العشرين،فكلا التيارين كانا يؤمنان بأن التحرّر الوطني هو خطوة ضرورية نحو العدالة الاجتماعية، وأن كرامة الشعوب هي أساس الإنسانية الجديدة، وأن المقاومة هي أصدق أشكال التربية السياسية. وكان جيفارا يشارك عبد الناصر الرأي بأن الثورة لا يمكن أن تُفرض من الأعلى، بل يجب أن تولد من الأسفل، من الشعب الذي يدرك قوته وتاريخه.
اليوم، بعد ثمانية وخمسين عامًا على رحيله، ما زالت ذكرى تشي حية في قلوب أبناء العالم العربي، في غزة، حيث ترافق صوره مسيرات المقاومة؛ في بيروت، حيث يستشهد به الطلاب والمناضلون كرمز للكرامة والشجاعة؛ وفي القاهرة، حيث ما زال الناس يذكرون زيارته كعلامة على الأخوة بين ثورتين، في مخيمات اللاجئين الفلسطينيين، وفي الجامعات العربية، وفي الحركات الشبابية المناهضة للاستعمار، يُذكر اسمه باحترام عميق، كاسم شهيد من أجل الحرية العالمية.
لقد حاول الغرب كثيرًا أن يحوّل شخصية تشي إلى مجرد رمز جمالي فارغ من محتواه السياسي، لكن في بلدان الجنوب العالمي، وخصوصًا في العالم العربي، ما زال رمزًا حيًا للمقاومة، ورفيقًا في النضال ضد كل أشكال القهر. وفي زمن تطغى فيه الحروب العدوانية والاحتلالات العسكرية وسياسات الفصل العنصري واتساع الفوارق الاجتماعية، يظلّ صوته دعوة إلى الثبات والتضامن والتمرد الأخلاقي.

تذكّر جيفارا لا يعني ترديد الشعارات، بل العودة إلى رؤيةٍ للعالم تقوم على العدالة الشاملة وغير القابلة للتجزئة. يعني أن نعيد اكتشاف الشجاعة لنقول “لا”، لنقاوم، ولنصنع البدائل. إنّه فعل ذاكرةٍ ومستقبل، جذورٍ وآفاق.
بعد ثمانية وخمسين عامًا على “لا إيغيرا، لم يعد وجه تشي أيقونةً تُعلّق في المتاحف، بل نجمًا ما زال يهدي الطريق لكل من يناضل من أجل الحرية — في كوبا، وفي أمريكا اللاتينية، وفي إفريقيا، وفي كل أرضٍ عربية تقاوم.
عاش تشي. عاش تضامن الشعوب. عاشت فلسطين حرة.

مشاركة

مشاركة الخبر

أدوات
البريد الإلكتروني
إعلانات
اعلان عامودي
اعلان عامودي اخر
اعلان عرضي