غزة / شبكة الاخبار الفلسطينية
تتجاوز الحسابات الإسرائيلية بشأن احتمال استئناف الحرب على إيران الاعتبارات العسكرية والأمنية، لتلامس مستقبل حكومة بنيامين نتنياهو وموقعه السياسي، في ظل أزمة تشكيل الحكومة والانقسام الذي أفرزته الانتخابات الأخيرة. فبينما تتزايد المؤشرات على احتمال تجدد المواجهة، يطرح المحلل العسكري في صحيفة “إسرائيل اليوم” “يوآف ليمور” تساؤلات بشأن دوافع نتنياهو، ومدى ارتباط قرارات الحرب بحساباته الانتخابية، محذرًا من تحويل المواجهة العسكرية إلى أداة لخدمة المصالح السياسية والشخصية.
وفي قراءته للمشهد السياسي الذي أعقب الانتخابات، يرى ليمور أن أياً من المعسكرين لم يتمكن من تحقيق انتصار يسمح له بالادعاء بأنه حسم المعركة. فرغم تحقيق حزب الليكود نتائج أفضل مما توقعته استطلاعات الرأي، وتعزيز الأحزاب العربية قوتها، وحصول معارضي الحكومة على أغلبية في أصوات الجمهور، بقيت الخريطة السياسية منقسمة، وانتهت الانتخابات إلى حالة من الانسداد.
ويشير الكاتب إلى أن معارضي نتنياهو يمتلكون، من الناحية الحسابية، أغلبية برلمانية تبلغ 67 مقعدًا مقابل 53 مقعدًا لمعسكره، لكن تشكيل حكومة تستند إلى هذه الأغلبية يواجه عقبات سياسية وأيديولوجية، خصوصًا أن ما يقارب ثلث مقاعد هذا المعسكر تعود إلى أحزاب عربية غير صهيونية، وهو ما يجعل استمرار حكومة تضم أطرافًا متباعدة في مواقفها السياسية أمرًا صعبًا.
ويطرح ليمور احتمال استثمار هذه الأغلبية في اتخاذ خطوات برلمانية سريعة، من بينها اختيار مرشح لرئاسة الحكومة، ويذكر غادي آيزنكوت مثالًا، وتشكيل لجنة منظمة للكنيست واختيار رئيس جديد بدلًا من أمير أوحانا، ثم الدفع باتجاه تشكيل لجنة تحقيق رسمية في أحداث السابع من أكتوبر، وإقرار ما يعرف بـ”قانون المتهم”، وإلغاء تشريعات التغييرات القضائية وقوانين الإعلام. لكنه يرى أن هذا المسار، حتى لو نجح في بدايته، قد لا يصمد طويلًا أمام الخلافات بين مكوناته، وأن أي أزمة أمنية أو اقتصادية يمكن أن تؤدي إلى تفككه، فضلًا عن احتمالات استخدام حق النقض السياسي وتعطيل القرارات من جانب بعض أطرافه، وما قد يرافق ذلك من احتجاجات وصدامات داخلية.
وفي المقابل، يطرح الكاتب خيار تشكيل حكومة وحدة تستند إلى الأحزاب الصهيونية، بعيدًا عن الأحزاب الحريدية والعربية، على أن تتولى هذه الحكومة أيضًا معالجة احتياجات هاتين الفئتين، مع إعطاء الأولوية لما يصفه بمصالح غالبية الجمهور الذي يتحمل العبء الاقتصادي والعسكري للدولة. ويستند ليمور في دعوته إلى هذا الخيار إلى معطى ديموغرافي، مفاده أن قرابة نصف أطفال رياض الأطفال في «إسرائيل» حاليًا ينتمون إلى العائلات الحريدية أو العربية، محذرًا من أن استمرار الفجوات في التعليم والخدمة العسكرية والعمل سيؤدي إلى تعميق الاختلالات داخل المجتمع خلال العقدين أو العقود الثلاثة المقبلة. ويعتبر أن أي حكومة وحدة تحتاج إلى تنازلات متبادلة من الأطراف السياسية، بما فيها نتنياهو نفسه، والالتزام بالتعهدات التي قطعها.
ويرى أن هذا الخيار قد يصبح ممكنًا إذا تدخل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وأبلغ نتنياهو أنه لا يرغب في استمرار حكومة يمينية تعتمد على إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش، اللذين يرى الكاتب أن سياساتهما تضع «إسرائيل» في مواجهة المجتمع الدولي وتعرضها لمخاطر المقاطعة. غير أن ليمور يلفت إلى أن هذا السيناريو يتطلب أيضًا من معارضي نتنياهو التخلي عن فكرة السيطرة على الكنيست وتشكيل حكومة أقلية، والاتفاق على صيغة سياسية يستطيع جميع الأطراف التعايش معها خلال السنوات المقبلة. مخرجًا من المأزق السياسي في مقابل هذين المسارين، يطرح ليمور احتمال أن يفضل نتنياهو الذهاب إلى مواجهة عسكرية جديدة مع إيران، بما قد يترتب عليها من إعلان حالة الطوارئ وتأجيل أداء الكنيست اليمين الدستورية، وتعطيل المفاوضات المتعلقة بتشكيل الحكومة الجديدة.
وبحسب تقدير الكاتب، فإن نتنياهو قد يأمل أن تنتهي الحرب بتحقيق إنجاز عسكري إسرائيلي واضح يعزز مكانته لدى الجمهور، بما يسمح له بالدخول في جولة انتخابية جديدة من موقع أقوى. ويمضي ليمور في تفصيل الحسابات الانتخابية المحتملة لنتنياهو، مشيرًا إلى أنه قد يسعى في الانتخابات المقبلة إلى تقليل الأصوات المهدرة داخل معسكر اليمين، من خلال غياب أحزاب وشخصيات لم تتمكن من تجاوز نسبة الحسم، ومن بينها عوفر وينتر وحزب نوعام وبقايا أحزاب أخرى، إلى جانب انخفاض نسبة التصويت في أوساط العرب، وتراجع أعداد الإسرائيليين المقيمين خارج البلاد الذين يتوجهون إلى صناديق الاقتراع. ويرى الكاتب أن هذه الظروف قد تقرب نتنياهو مجددًا من تشكيل حكومة يمينية كاملة، لكنه يرفض الرواية التي يروج لها أنصاره بشأن حصوله على تفويض شعبي واضح لتشكيل الحكومة، معتبرًا أن الائتلاف الذي يقوده تقلص بصورة ملموسة، وأنه لا يمتلك أغلبية برلمانية، رغم احتفاظ الليكود بجزء كبير من قوته وبقاء نتنياهو شخصية سياسية مؤثرة.
ويشدد على أن غالبية الجمهور الإسرائيلي صوتت ضد نتنياهو، وأن جر البلاد إلى جولات إضافية من الحروب والانتخابات لن يخدم مستقبلها، بل سيعمق أزماتها السياسية والاجتماعية.
ويخلص إلى أن خيار حكومة الوحدة، رغم أنه ليس الأفضل بالضرورة لنتنياهو أو خصومه، يمثل في تقديره المسار الأقل سوءًا، لأنه قد يسمح بتشكيل حكومة مستقرة قادرة على معالجة ملفات داخلية وخارجية، وإعادة «إسرائيل» إلى ما يصفه بالحالة الطبيعية.
ويحدد الكاتب سبعة ملفات رئيسية يتعين على حكومة كهذه التعامل معها، تبدأ بتشكيل لجنة تحقيق في أحداث السابع من أكتوبر، وإقرار قانون التجنيد بما يضمن مشاركة الحريديم والعرب في الخدمة العسكرية أو الوطنية، وإعادة التشريعات القضائية إلى الأسس الديمقراطية، وتعزيز سيادة القانون والأمن الشخصي، وإصلاح التعليم، وتقوية الاقتصاد في ظل أعباء الحرب والتهديدات بالمقاطعة، وصولًا إلى ترميم المكانة الدولية وصورة «إسرائيل» ومواجهة حركات المقاطعة ومعاداة السامية. ويقول إن غالبية الجمهور الصهيوني، وفق نتائج الانتخابات، تؤيد هذه التوجهات، وترفض استمرار حكومة تعتمد على ابتزاز الأحزاب اليمينية أو الحريدية، مشيرًا إلى أن هذا الجمهور يريد دولة يعمل فيها الجميع ويخدمون ويتعلمون ويعيشون جنبًا إلى جنب. استئناف الحرب ينتقل ليمور إلى الجانب العسكري، معتبرًا أن المؤشرات تدل على أن استئناف الحرب على إيران قد يكون مسألة وقت، وربما وقت قصير، خصوصًا بعد انتهاء الانتخابات الإسرائيلية وانتهاء انتخابات التجديد النصفي الأمريكية المقررة في الأسبوع التالي للنشر، وهو ما قد يزيل بعض العوائق السياسية التي أخرت تجدد المواجهة. لكنه يضع علامة استفهام أمام شرعية اتخاذ حكومة انتقالية قرارًا ببدء حرب واسعة، خصوصًا أنها حصلت، وفق قراءته لنتائج الانتخابات، على دعم أقل من نصف الجمهور الإسرائيلي، ولم تحصل بعد على ثقة الكنيست الجديد.
ويفرق الكاتب بين حالتين: الأولى أن تتعرض «إسرائيل» لهجوم إيراني يجبرها على الرد، وهو ما يمنح الحكومة مبررًا واضحًا للتحرك العسكري، والثانية أن تبادر هي إلى شن الحرب، في وقت لم تتشكل فيه حكومة جديدة تعكس نتائج الانتخابات وتحظى بثقة البرلمان.
ويشير إلى أنه لا يوجد سابقة في «إسرائيل» لحكومة تبادر إلى شن حرب واسعة بعد الانتخابات، وقبل تشكيل حكومة جديدة ونيلها ثقة الكنيست، معتبرًا أن مثل هذا القرار يتطلب، في الحد الأدنى، توافقًا واسعًا بين القوى السياسية الرئيسية، للتأكد من أن الحرب ضرورة أمنية وليست وسيلة لتحقيق أهداف سياسية.
ويضيف أن مثل هذا التوافق يمكن أن يشكل أساسًا لتشكيل حكومة مشتركة، أو أن يكون بداية لاتفاق سياسي يسمح بتسريع تشكيلها وأداء اليمين الدستورية في ظل ظروف الحرب. لكن الكاتب يستبعد تحقق هذا السيناريو، مرجحًا أن تستأنف الحرب قبل بدء المفاوضات الائتلافية أو في مراحلها الأولى، الأمر الذي قد يدفع «إسرائيل» إلى إعلان حالة الطوارئ، ويثير دعوات لتجميد أداء الكنيست الجديد ومفاوضات تشكيل الحكومة.
ويحذر من أن تداعيات هذا السيناريو ستظل مفتوحة، في ظل عدم وضوح المدة التي قد تستغرقها الحرب، وحجم الخسائر التي ستترتب عليها، والنتيجة التي يمكن أن تنتهي إليها. ويشير إلى أن الأمريكيين يتحدثون عن توجيه ضربة قصيرة وفعالة، لكنهم سبق أن استخدموا التقدير نفسه قبل اندلاع المواجهة في نهاية فبراير، التي استمرت آنذاك شهرًا ونصف الشهر.
وفي هذا السياق، يرى ليمور أن رئيس أركان جيش الاحتلال إيال زامير سيكون أمام مسؤولية كبيرة، إذ سيحتاج الجمهور إلى معرفة ما إذا كانت الحرب المقبلة ضرورة لا يمكن تجنبها، أم حربًا اختيارية كان بالإمكان تأجيلها إلى حين استقرار النظام السياسي وتشكيل حكومة جديدة. خلاف نتنياهو والجيش ويكشف الكاتب عن تباين في تقدير أهداف المواجهة المقبلة بين نتنياهو والمؤسسة العسكرية، موضحًا أن جيش الاحتلال يرى ضرورة استئناف الحرب، بسبب ما يعتبره تراكمًا للتهديدات الإيرانية منذ انتهاء الجولة العسكرية السابقة في منتصف أبريل/نيسان، ولا سيما في مجال إنتاج الصواريخ والطائرات المسيّرة.
كما يرغب الجيش في استهداف البنية التحتية الوطنية الإيرانية بصورة مؤثرة، بهدف زيادة الضغوط على المجتمع الإيراني، ومن خلاله على النظام، على أمل أن يؤدي ذلك إلى سقوطه أو دفعه إلى تقديم تنازلات كبيرة، خصوصًا في الملف النووي. لكن ليمور يشير إلى أن موقف الجيش، بخلاف موقف نتنياهو وجهاز الموساد، لا يعتبر إسقاط النظام الإيراني هدفًا ينبغي وضعه في صدارة العملية العسكرية.
ويقول إن الجيش عارض هذا التوجه أيضًا خلال المواجهة السابقة في فبراير/شباط، معتبرًا أن إسقاط الأنظمة مسألة يصعب التنبؤ بنتائجها، وأن جعلها هدفًا رئيسيًا للحرب قد يقود إلى مواجهة طويلة لا تحقق أهدافها، ولا تصب في المصلحة الإسرائيلية. وفي المقابل، لا تبدو واشنطن متحمسة لخوض حرب طويلة جديدة، بحسب الكاتب، الذي ينقل عن مسؤولين أمريكيين أن الإدارة الأمريكية تشعر بالقلق من حجم الأضرار التي قد تلحقها إيران بدول الخليج وبسوق النفط العالمي، خصوصًا مع اقتراب فصل الشتاء. ويشير إلى أن هذه المخاوف لا تحظى بالاهتمام نفسه داخل «إسرائيل»، حيث يتوقع أن ترتفع أسعار الوقود، التي جرى تجميدها عشية الانتخابات، خلال الأسبوع التالي إلى مستويات قياسية، متجاوزة تسعة شواكل للتر الواحد.
كما يلفت إلى أن موقف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قد يتأثر بنتائج انتخابات التجديد النصفي، وبالظروف السياسية التي سيخرج بها منها، ما يجعل طبيعة قراره بشأن إيران غير محسومة.
ويؤكد ليمور أن نتنياهو متحمس لاستئناف المواجهة العسكرية، معتبرًا أن تفاصيل ما جرى خلف الكواليس خلال الأسابيع التي سبقت الانتخابات ستكشف لاحقًا إلى أي مدى كان مستعدًا للذهاب نحو الحرب، وما الدور الذي أداه زامير في منع توظيف المؤسسة العسكرية في الحسابات السياسية. ويشير في هذا السياق إلى أن رئيس الأركان يدرك ما يتردد بشأن احتمال دفعه إلى مغادرة منصبه إذا تشكلت حكومة يمينية جديدة، رغم أن هذا المعسكر لا يمتلك حاليًا أغلبية برلمانية، لكنه يستبعد أن تدفعه هذه الحسابات إلى تغيير موقفه. أربعة أهداف للحرب المقبلة ويحدد ليمور أربعة ملفات رئيسية يفترض أن تكون على جدول أعمال أي مواجهة عسكرية جديدة مع إيران، هي: النظام الإيراني، والبرنامج النووي، وإنتاج الصواريخ والطائرات المسيّرة، والدعم الإيراني للتنظيمات الحليفة لها في المنطقة.
ويوضح أن المواجهتين السابقتين ألحقتا أضرارًا متفاوتة بهذه الملفات؛ إذ حققت الجولة الأولى نتائج عسكرية أكثر فاعلية، وأسهمت في بناء معادلة ردع مهمة، بينما كانت نتائج الجولة الثانية أقل تأثيرًا. ويرى أن أي حرب ثالثة ينبغي أن تحقق نتائج مختلفة عما سبق، وألا تتحول إلى جولة إضافية ضمن سلسلة مواجهات متكررة، مشددًا على أن إيران ليست قطاع غزة، وأن «إسرائيل» لا تستطيع الاستمرار في إدارة المواجهة معها من خلال جولات عسكرية متقطعة، بالنظر إلى الكلفة الكبيرة التي تتحملها، سواء في الأرواح أو الممتلكات أو الاقتصاد أو تعطيل الحياة اليومية، فضلًا عن توقف رحلات شركات الطيران الدولية.
ويطرح الكاتب تساؤلات بشأن إمكانية تحقيق الأهداف الأربعة، موضحًا أن إسقاط النظام الإيراني لا يزال هدفًا غير مضمون، بعدما أخفقت المحاولات السابقة في تحقيقه، كما أن انتزاع البرنامج النووي من يد طهران أو إجبارها على تسليمه لا يبدو أمرًا محسومًا.
أما تدمير صناعة الصواريخ والطائرات المسيّرة، فيرى أنه ممكن بصورة مؤقتة، لكنه يشير إلى أن إيران أثبتت مرتين قدرتها على التعافي وإعادة بناء قدراتها بسرعة أكبر مما كان متوقعًا. وفيما يتعلق بوقف الدعم الإيراني للتنظيمات الحليفة لها في المنطقة، يعتقد الكاتب أن بالإمكان إضعاف هذا الدعم بدرجة معينة، لكن لفترة زمنية محدودة فقط. ويخلص إلى أن إيران قد تدفع ثمنًا باهظًا لأي حرب جديدة، لكن ذلك لا يعني بالضرورة هزيمتها أو إخضاعها، ما يفتح الباب أمام تساؤلات بشأن حجم الخسائر التي ستتكبدها «إسرائيل» والولايات المتحدة ودول الخليج، فضلًا عن التداعيات التي ستطال العالم بأسره. ويتساءل ليمور عما إذا كانت هذه الكلفة مبررة، وما إذا كانت النتائج المحتملة تستحق الدخول في مواجهة جديدة، معتبرًا أن الإجابة عن هذه الأسئلة لا ينبغي أن تكون بيد المسؤولين الحاليين وحدهم، في ظل تركيبة سياسية أعقبت الانتخابات، وقبيل تشكيل حكومة جديدة، وما قد يحيط بالقرار من مصالح غير معلنة مرتبطة باحتمال إجراء انتخابات إضافية.
ويؤكد أن اتخاذ قرار بهذا الحجم يتطلب رؤية سياسية وأمنية أوسع، تعكس بصورة أمينة ما عبّرت عنه غالبية الجمهور الإسرائيلي في الانتخابات، بدلًا من أن تتحول الحرب إلى وسيلة لتحقيق مصالح سياسية ضيقة.



