من هرمز إلى أوكرانيا.. هل يمهّد ترمب لجولة مواجهة جديدة مع إيران؟
✍🏻 وائل المولى – كاتب وصحافي
من الواضح أن الحروب الدائرة في الشرق الأوسط وأوكرانيا ليست أزمات منفصلة، بل تحولت إلى اختبار لقدرة الولايات المتحدة على فرض شروطها وإعادة ترتيب موازين القوى الدولية. وبينما تتحدث واشنطن عن احتواء التداعيات، تتزايد المؤشرات على أن الرئيس دونالد ترمب يعيد تنظيم أوراقه السياسية والاقتصادية والعسكرية، استعداداً لاحتمال تجدد المواجهة مع إيران، في وقت يدفع فيه الاقتصاد العالمي ثمن صراعات مفتوحة بلا أفق واضح للتسوية.
في مضيق هرمز، تبدو الرواية الأمريكية بشأن عودة تدفقات النفط إلى 80% من مستويات ما قبل الحرب موضع تشكيك جدي. فالتصريحات المتفائلة لا تعني استعادة الملاحة لطبيعتها، ولا تبدد المخاطر التي تواجه السفن وإمدادات الطاقة. ويبدو أن واشنطن تحاول طمأنة الأسواق، فيما لا تزال طهران تحتفظ بأوراق ضغط قادرة على التأثير في حركة التجارة العالمية. فالمضيق لم يعد مجرد ممر للطاقة، بل أصبح ساحة اختبار للإرادة الأمريكية وقدرة إيران على رفع كلفة أي تصعيد.
والأخطر أن المواجهة المحتملة لم تعد محصورة بالنفط والسفن. فقد لوّح الحرس الثوري الإيراني باستهداف سبعة كابلات رئيسية للإنترنت تمر تحت مضيق هرمز، في حال اندلاع جولة حرب جديدة. ويعني ذلك أن البنية التحتية الرقمية، التي تعتمد عليها الاتصالات والمصارف والخدمات السحابية، قد تتحول إلى جبهة إضافية، بما يوسع التداعيات من أسواق الطاقة إلى الاقتصاد الرقمي العالمي.
في هذا السياق، تبدو تحركات ترمب في ملفات روسيا وأوكرانيا والطاقة قابلة للقراءة ضمن استراتيجية أوسع لإعادة ترتيب الأولويات قبل أي تصعيد جديد مع طهران. غير أن هذا الاحتمال لا يعني أن قرار الحرب اتُّخذ، بل إن المؤشرات العسكرية والسياسية تستدعي مراقبة ما إذا كانت واشنطن تمهّد فعلاً لجولة جديدة أم تستخدم الضغط لانتزاع تنازلات تفاوضية.
وفي أوكرانيا، بعد اتفاق روسيا والولايات المتحدة على صفقة الديزل تجاوز الرئيس الأمريكي ترمب الضغط على فولوديمير زيلينسكي لقبول اتفاق مع موسكو إلى الدعوة علناً لوجود رئيس جديد للبلاد. ويترافق ذلك مع ضغوط لوقف الهجمات على مصافي النفط الروسية وخلافات حول المساعدات الدفاعية. ويكشف هذا المسار رغبة أمريكية في إعادة تشكيل القرار الأوكراني، حتى لو انتهى الأمر بتهميش زيلينسكي سياسياً، بما يتيح لواشنطن إعادة توجيه مواردها وتركيز اهتمامها على ملفات أخرى.
أما أوروبا، فتواجه ارتفاع تكاليف الطاقة وتراجع القدرة الشرائية وتصاعد الاحتجاجات. وشهدت فرنسا اضطرابات أعقبتها إجراءات أمنية وحظر تجول في مناطق، فيما شهدت مدن إيطالية وإسبانية تحركات احتجاجية، وبرزت في ألبانيا مطالب اجتماعية وسياسية. ولا تقف وراء هذه الاحتجاجات جهة واحدة، لكن تدهور المعيشة يمنح اليسار فرصة لاستعادة حضوره، في حين يسعى اليمين القومي إلى استثمار الغضب نفسه.
في المحصلة، تتشابك هرمز وأوكرانيا وأزمات أوروبا ضمن مشهد يعيد فيه ترمب حسابات القوة والتفاوض. لكن السؤال الأخطر يبقى: هل تنجح واشنطن في فرض تسوية بشروطها، أم أن إعادة ترتيب الأوراق ستقود إلى مواجهة جديدة مع إيران، تكون كلفتها هذه المرة أوسع من حدود الشرق الأوسط؟



