غزة / شبكة الاخبار الفلسطينية
من قلب الوجع، وبين حكايات الفقد والأمل، كتب لاعبو كرة القدم للبتر في غزة فصلًا جديدًا من حكاية الصمود، وأثبتوا أن الإرادة قادرة على صناعة الفرح مهما اشتدت الظروف. هكذا كان المشهد في ختام بطولة فريق غزة الإرادة لكرة القدم للبتر، التي احتضنها ملعب نادي فلسطين في مدينة غزة، برعاية فريق غزة الإرادة وإشراف جمعية فلسطين لكرة القدم البتر في مهرجان رياضي وإنساني نوعي يُقام لأول مرة منذ حرب الإبادة، ليعيد إلى الملعب شيئًا من الحياة، وإلى قلوب الحاضرين مساحة من الفرح الذي افتقدته غزة طويلًا.
لم يكن ختام البطولة مجرد تتويج لفريق فائز أو توزيع للجوائز، بل كان احتفاءً بأبطال اختاروا أن يواجهوا الألم باللعب، والفقد بالأمل، والظروف القاسية بالإصرار على مواصلة الحياة.
وفي مشهد حمل الكثير من المعاني الإنسانية، اجتمع اللاعبون والشخصيات الرياضية والمجتمعية، وممثلو المجلس الأعلى للشباب والرياضة واللجنة البارالمبية، ليشهدوا معًا أن الرياضة في غزة لا تزال قادرة على جمع الناس وصناعة لحظات تستحق أن تُروى.
وجاءت البطولة بتنظيم ورعاية فريق غزة الإرادة لكرة القدم للبتر، وإشراف جمعية فلسطين لكرة القدم للبتر في دير البلح، بمشاركة أربعة فرق رياضية مثّلت محافظات قطاع غزة، حيث تنافس اللاعبون على أرض الملعب بروح رياضية عالية، مقدمين صورة مشرقة عن العزيمة والإصرار، ومؤكدين أن ما يمتلكونه من شغف بكرة القدم أكبر من كل الصعوبات التي فرضتها الحرب.
*غزة الإرادة في الصدارة.. ومنتخب الشمال وصيفًا*
وفي ختام المنافسات، تُوّج فريق غزة الإرادة بلقب البطولة بقيادة الكابتن حاتم المغربي، بعد أداء مميز عكس روح الفريق والإصرار على الوصول إلى القمة، فيما حلّ منتخب شمال قطاع غزة في المركز الثاني، بعد منافسات اتسمت بالقوة والندية، وشهدت لحظات من الحماس والتفاعل بين اللاعبين والحضور.
وكانت كل مباراة تحمل حكاية خاصة، ليس فقط بما شهدته من أهداف ومنافسة، بل بما عكسته من عزيمة لاعبين يصرّون على البقاء في قلب المشهد الرياضي، ويمنحون من حولهم درسًا حقيقيًا في التمسك بالحياة، حتى في أصعب الأوقات.
*محمد عليوة أفضل لاعب.. ورباح سعد أفضل حارس وحجيلة هداف البطولة*
وعلى صعيد الجوائز الفردية، تُوّج محمد عليوة بجائزة أفضل لاعب في البطولة، فيما نال رباح سعد جائزة أفضل حارس مرمى، وحصل محمد حجيلة على لقب هداف البطولة برصيد ثلاثة أهداف.
*الافضل في البطولة الرياضية*
وفي لفتة تنظيمية مميزة، حرصت اللجنة المنظمة على اختيار أفضل لاعب في كل مباراة من المباريات الست التي شهدتها البطولة، تقديرًا لما قدمه اللاعبون من مستويات فنية وجهود تستحق الإشادة.
وذهبت هذه الجوائز إلى كل من محمد عليوة، ومعاذ أبو ظاهر، وسيف بلال، ومحمد حجيلة، ومهند الأسود، وأحمد الخضري.
ولم تكن هذه الجوائز مجرد تكريم للأداء داخل الملعب، بل كانت أيضًا رسالة تقدير لكل لاعب يواصل الحلم، ويتمسك بحقه في ممارسة الرياضة، ويثبت يومًا بعد يوم أن الموهبة لا تحدّها الظروف، وأن الإرادة قادرة على فتح أبواب الأمل من جديد.
*فؤاد أبو غليون: بطولة نوعية*
بحجمها وتنظيمها وروعة إخراجها
وفي الحفل الختامي، أشاد الأستاذ فؤاد أبو غليون، رئيس مجلس إدارة جمعية فلسطين لكرة القدم للبتر، بالنجاح الذي حققته البطولة، مؤكدًا أنها تمثل تجربة رياضية نوعية لم يسبق تنظيمها بهذا الحجم والشكل وروعة الإخراج، في ظل الظروف الاستثنائية التي يعيشها قطاع غزة.
وعبّر أبو غليون عن تقديره للجهود التي بذلها القائمون على البطولة، مشددًا على أهمية مواصلة دعم هذه الفئة من الرياضيين، وتوفير المساحات التي تتيح لهم التعبير عن قدراتهم وإبراز مواهبهم، بما يعزز حضورهم في المجتمع الرياضي الفلسطيني.
من جهته، أكد الأستاذ سعدي المصري رئيس فريق غزة الإرادة راعي ومنظم البطولة أن نجاح البطولة جاء ثمرة لتكاتف الجهود وروح التعاون بين الجميع، مشيدًا بالدور الكبير الذي أدّاه اللاعبون، وما أظهروه من التزام وإصرار وروح رياضية مميزة، كانت في صميم نجاح هذا الحدث الذي جمع بين المنافسة والرسالة الإنسانية.
*الدبكة الشعبية والمنشد عبد الله نقطة.. حين يلتقي التراث بالإرادة*
وحمل الحفل الختامي لحظات دافئة أخرجت المناسبة من إطار المنافسة الرياضية إلى مساحة أوسع من الفرح الفلسطيني الأصيل، حيث تفاعلت الجماهير مع عروض الدبكة الشعبية التي أعادت إلى المكان شيئًا من أجواء الأفراح والتراث، وسط مشاعر امتزج فيها الفخر بالتأثر، والفرح بالأمل.
وكانت فقرة المنشد عبد الله نطط من أبرز محطات الحفل، إذ اعتلى المنصة بعد أن فقد قدميه خلال حرب الإبادة، ليقدم وصلته الإنشادية بكلمات مستلهمة من التراث الفلسطيني وأجواء الدبكة الشعبية، في مشهد حمل دلالات إنسانية عميقة، وجسّد قدرة الإنسان على مواصلة العطاء وصناعة لحظات جميلة رغم ما يتركه الألم من آثار.
وفي ختام المهرجان، جرى تكريم اللاعبين والمدربين واللجان المشرفة، تقديرًا لجهودهم ومساهمتهم في إنجاح البطولة، وسط أجواء عكست قيمة هذا اللقاء الرياضي والإنساني، وما حمله من مشاعر تقدير واعتزاز بأبطال يستحقون أن تُروى حكاياتهم.
*بطولة انتهت.. لكن حكايات الأمل لا تنتهي*
لم تغادر البطولة الملعب مع صافرة النهاية، ولم يتوقف أثرها عند لحظة رفع الكأس.
فقد تركت وراءها حكايات تستحق أن تصل إلى كل بيت، وصورًا لأبطال لم تسمح لهم الحرب بأن يتخلوا عن أحلامهم، ولا للفقد بأن ينتزع منهم حب الحياة.
في غزة، حيث أثقلت الحرب القلوب وغيّرت ملامح الأيام، جاء هؤلاء اللاعبون ليقولوا بطريقتهم إن الإنسان أكبر من جراحه، وإن الرياضة ليست مجرد لعبة، بل مساحة لاستعادة الثقة بالنفس، ونافذة يطل منها الأمل على واقع أنهكته المعاناة.
هنا، على أرضية ملعب نادي فلسطين، لم يكن الانتصار حكرًا على الفريق الذي رفع الكأس؛ بل كان لكل لاعب عاد إلى الملعب، ولكل قلب صفّق، ولكل إنسان رأى في هؤلاء الأبطال حكاية صمود تستحق الحياة.
غزة الإرادة توّج باللقب، لكن الرسالة الأجمل حملها جميع المشاركين: قد تترك الحرب جراحها، وقد تغيّر الكثير من تفاصيل الحياة، لكنها لا تستطيع أن تنتزع من الإنسان حقه في الحلم، ولا أن تطفئ إرادته في النهوض من جديد.



