البريكس 2025: عالم يتغيّر من الجنوب… كوبا والعرب وايران في قلب المعادلة الجديدة
بقلم: مادلينا شيلانو- شبكة الاخبار الفلسطينية
في زمن تتآكل فيه هيبة الغرب وتتفكك ركائز النظام العالمي الأحادي، برزت قمة “البريكس” السادسة عشرة في ريو دي جانيرو (6-7 تموز/يوليو 2025) كحدث سياسي يرسّخ معادلة جديدة. لم تعد مجموعة البريكس مجرّد نادٍ اقتصادي ناشئ، بل أصبحت – مع توسّعها الجديد – مشروعًا تحرّريًا للدول التي تحمل ذاكرة استعمار، وطموح سيادة، وتطلّعًا نحو نظام عالمي متعدد الأقطاب.
من نادي اقتصادي إلى كتلة جيوسياسية صاعدة
حين تأسّست “البريكس” عام 2009، اقتصرت عضويتها على خمس دول هي: البرازيل، روسيا، الهند، الصين، وجنوب إفريقيا. آنذاك، كان هدفها المعلن مواجهة هيمنة المؤسسات المالية الغربية. لكن في قمة ريو 2025، وبعد انضمام ست دول جديدة منذ عام 2024 (مصر، إيران، الإمارات، السعودية، الجزائر، والأرجنتين)، باتت البريكس تضم 11 عضوًا، تمثل ما يزيد عن 45% من سكان العالم، وتتحكم بأكثر من ثلث احتياطيات الطاقة العالمية.
انضمام كوبا كشريك استراتيجي مثّل لحظة رمزية بالغة الدلالة. فالدولة الصغيرة التي واجهت حصارًا أميركيًا لأكثر من ستة عقود، باتت اليوم على طاولة الشركاء، لا كمراقب، بل كمساهم في صياغة رؤية جديدة للعالم. مشاركة كوبا لم تكن شكلية، بل ترافقت مع إطلاق برامج تعاون في الزراعة والصحة والتعليم مع دول البريكس، في مقاربة تنموية جنوب-جنوب تعيد تعريف معنى “التضامن الدولي”.
الحضور العربي والإسلامي: من التبعية إلى الشراكة
لم يسبق للعالم العربي والإسلامي أن امتلك هذا الحضور المتكامل داخل تكتل دولي بهذه الأهمية. خمس دول عربية وإسلامية (مصر، إيران، السعودية، الإمارات، الجزائر) أصبحت أعضاء في البريكس، فيما شاركت دول أخرى بصفة مراقب أو مدعوّ. هذا الحضور لم يكن رمزيًا، بل عكس تزايد الوزن الجيوسياسي للمنطقة في ظل أزمات الطاقة، والتحولات المناخية، وصعود الحركات الاستقلالية عن المركز الغربي.
البيان الختامي للقمة أدان الغارات الجوية التي تعرّضت لها إيران في 13 حزيران 2025، في موقف موحّد يُسجّل كأول موقف دولي جماعي يدين العدوان بصيغة غير غربية. كما طالبت القمة بوقف فوري لإطلاق النار في غزة، ونددت بصمت المؤسسات الدولية. هنا، بدا أن البريكس لا تكتفي بالشعارات، بل تتحول إلى كتلة سياسية تملك الجرأة على تحدي الهيمنة الغربية.
الأهم من المواقف، هو المشاريع التي أطلقتها الدول الإسلامية والعربية داخل المجموعة: التبادل المالي بالعملات المحلية بدلًا من الدولار، التعاون في الطاقة المتجددة، تأسيس منصات تعليمية رقمية باللغة العربية والفارسية، وشراكات في البحث العلمي والتكنولوجيا.
إعلان ريو: خارطة طريق نحو عالم جديد
صدر عن القمة “إعلان ريو”، وثيقة شاملة منحت البريكس وجهًا سياسيًا صريحًا، ووضعت أولويات المرحلة المقبلة. أبرز البنود:
إصلاح المؤسسات الدولية: مطالبة صريحة بإعادة هيكلة مجلس الأمن، وصندوق النقد والبنك الدوليين، بما يعكس التوازنات الجيوسياسية الجديدة.
فك الارتباط عن الدولار: تعزيز دور “البنك الجديد للتنمية” التابع للبريكس، واقتراح إصدار عملة رقمية موحدة لتيسير التجارة بين الأعضاء بعيدًا عن هيمنة الدولار.
الذكاء الاصطناعي: إطلاق مبادرة مشتركة لضبط الذكاء الاصطناعي من زاوية أخلاقية وسيادية، لتجنب احتكار التكنولوجيا من قبل القوى الكبرى.
التحول البيئي العادل: تأكيد على دعم الدول النامية في مواجهة التغير المناخي، مع تخصيص موارد واستثمارات خضراء، واستكمال النقاشات في قمة COP30 القادمة في منطقة الأمازون.
جنوب العالم… لا يطلب الإذن بعد اليوم
ما يجري ليس مجرد تحوّل تدريجي. إنه زمن مفصلي يعيد الاعتبار لفكرة العدالة الدولية من خارج منظومات العولمة النيوليبرالية. كوبا، التي حوصرت، والعرب الذين همّشتهم مشاريع الهيمنة، ودول الجنوب التي دُمغت بالتخلف والفقر، باتوا اليوم يصوغون البدائل ويقترحون حلولًا تتجاوز مجرد الردّ على الغرب، إلى بلورة مشروع كوني جديد.
توسيع البريكس هو إعلان سياسي بأن “جنوب العالم” لم يعد ضحية خرائط سايكس بيكو، ولا ملحقًا في استراتيجيات واشنطن وبروكسل. إنه كتلة فاعلة تحمل في طيّاتها تناقضات ومصالح متفاوتة، لكنها تتقاطع حول مبادئ السيادة والتعاون واحترام الخصوصيات الحضارية.
بين الطموح والتحديات
مع ذلك، لا يخلو المشهد من التحديات:
كيف ستوازن البريكس بين اختلاف النماذج السياسية (من الديمقراطيات النامية إلى الأنظمة السلطوية)؟
هل يمكن أن تتحول إلى إطار عمل مؤسساتي متماسك، لا مجرد تحالف مصالح؟
وما هو سقف الصدام مع الغرب، في حال تصاعدت المواجهة على الأرض في ملفات ساخنة كفلسطين وإيران وفنزويلا؟
تبقى هذه الأسئلة مفتوحة. لكن المؤكد أن قمة ريو 2025 لم تكن محطة عابرة، بل خطوة نوعية في مسار فك التبعية، وتأسيس نظام عالمي بديل قد لا يكون كاملًا أو مثاليًا، لكنه على الأقل ينطلق من الجنوب… من حيث يُعاد تعريف الكرامة، والحق، والشراكة.



