من صبرا وشاتيلا إلى غزة.. أصوات التضامن الدولي تتجدد من بيروت
الكاتبة: ميلينا فيوري
بعد 44 عاماً على مجزرة صبرا وشاتيلا التي وقعت في مخيمي صبرا وشاتيلا في بيروت بين 16 و18 أيلول/سبتمبر 1982، لا تزال الذاكرة حاضرة بقوة في لبنان وفلسطين، لا باعتبارها حدثاً من الماضي فحسب، وإنما باعتبارها جرحاً لم تغلقه العدالة، وذاكرة تتقاطع اليوم مع ما يجري في غزة وجنوب لبنان.
وفي هذا السياق، أجرت بعثة جمعية «كي لا ننسى صبرا وشاتيلا» سلسلة لقاءات في بيروت مع ثلاث شخصيات لبنانية هي الكاتب والناشط السياسي معن بشور، والصحافي حسين أيوب، والأستاذ الجامعي حسام مطر. وتركزت اللقاءات على استعادة ذاكرة المجزرة، وقراءة التحولات التي شهدتها المنطقة خلال السنوات الأخيرة، ومناقشة سبل استمرار التضامن مع الشعب الفلسطيني والشعوب المتضررة من الحروب والصراعات.
في «دار الندوة»، استقبل معن بشور الوفد، مستعيداً مساراً طويلاً من العمل السياسي والثقافي الذي يربط بين القضية الفلسطينية وقضايا التحرر والعدالة في العالم العربي.
وشدد بشور على أن فلسطين ليست قضية عربية أو فلسطينية فقط، بل قضية إنسانية تتصل بالحرية والكرامة وحقوق الشعوب. ورأى أن اتساع حركة التضامن الشعبي مع الفلسطينيين في عدد كبير من دول العالم يشكل تطوراً مهماً في الوعي الدولي تجاه القضية الفلسطينية.
وأشار إلى أن المشاهد التي تظهر فيها التظاهرات المؤيدة لفلسطين في مدن مختلفة حول العالم تذكّره بالحملات والجهود التي سبقت هذا الحراك، معتبراً أن الرأي العام الدولي أصبح عاملاً مؤثراً في الصراع السياسي والإعلامي حول فلسطين.
ودعا بشور إلى مواصلة هذا الجهد، مؤكداً أن الدفاع عن فلسطين ولبنان لا ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره دفاعاً عن مصالح وطنية منفصلة، بل باعتباره دفاعاً عن الإنسان وحقه في الحرية والكرامة والعدالة.
كما دعا إلى المشاركة في المؤتمر السابع لمنتدى التضامن والعدالة من أجل فلسطين، المقرر عقده في بيروت أواخر تشرين الثاني/نوفمبر.
وتطرق بشور إلى الدور الذي يمكن أن تلعبه الشعوب، متوقفاً عند مصر وباكستان والعلاقة بين التيارات الإسلامية والقومية العربية. واعتبر أن هناك قاعدة شعبية وثقافية واسعة مؤيدة للقضية الفلسطينية، حتى في الحالات التي لا تعكس فيها مواقف الحكومات بالضرورة هذه المشاعر الشعبية.
وبحسب رؤيته، فإن العلاقة بين المصريين والفلسطينيين تتجاوز مفهوم التضامن التقليدي، لتصل إلى الإحساس بالمصير المشترك، بينما يرى أن المسلمين والقوميين العرب يمتلكون عناصر عديدة يمكن أن تشكل أرضية للعمل المشترك، من التاريخ والثقافة إلى الجغرافيا والقضية الفلسطينية.
وفي قراءته للتغيرات الدولية، تحدث بشور عن تنامي التعاون بين قوى دولية مختلفة، ولا سيما روسيا والصين، وعن التحولات التي يشهدها النظام الدولي، معتبراً أن هذه التحولات يمكن أن تفتح المجال أمام إعادة صياغة موازين القوى العالمية.
وهذه القراءة تبقى، بطبيعة الحال، جزءاً من التحليل السياسي الذي يقدمه بشور للمشهد الدولي، ولا تعكس بالضرورة توصيفاً متفقاً عليه من جميع الأطراف.
وفي لقاء آخر جرى في المكان الذي كان مقراً لصحيفة «السفير» اللبنانية، التي أسسها الصحافي الراحل طلال سلمان عام 1974، تحدث الصحافي حسين أيوب عن صبرا وشاتيلا، رابطاً بين ذاكرة المجزرة وبين الجرائم والحروب التي شهدتها المنطقة خلال العقود اللاحقة.
وقال أيوب إن غياب العدالة والمحاسبة بعد الجرائم الكبرى يسمح باستمرار الجرح، معتبراً أن قضية صبرا وشاتيلا لا يمكن اختزالها في ذكرى سنوية، لأن السؤال عن العدالة والمحاسبة ما زال قائماً.
وشدد على أن مرور الزمن لا يلغي حق الضحايا في العدالة، وأن العمل السياسي والقانوني يجب أن يستمر من أجل إبقاء ملفات الجرائم والانتهاكات حاضرة أمام الرأي العام والمؤسسات المعنية.
أما الأستاذ الجامعي حسام مطر، فقدم قراءة للمتغيرات التي طرأت على لبنان والمنطقة خلال السنوات الأخيرة، وربطها بسلسلة أحداث أعادت رسم موازين القوى الإقليمية.
وهنا يبرز تصحيح زمني أساسي. فالنظام السوري برئاسة بشار الأسد لم يسقط عام 2020، كما ورد في الصياغة الأصلية للحديث، بل انهار في 8 كانون الأول/ديسمبر 2024، بعد هجوم واسع لفصائل المعارضة، وغادر الأسد سوريا مع انتهاء حكم عائلة الأسد الذي استمر لعقود.
كما أن اغتيال الأمين العام السابق لحزب الله حسن نصرالله وقع في 27 أيلول/سبتمبر 2024، أي قبل سقوط نظام الأسد بنحو شهرين ونصف، وليس بعده. وقد قُتل نصرالله في غارة إسرائيلية على الضاحية الجنوبية لبيروت.
وبناء على هذا التسلسل، رأى مطر أن اغتيال نصرالله ثم سقوط النظام السوري شكلا حدثين كبيرين في البيئة الإقليمية، وأثرا في الحسابات السياسية والأمنية المتعلقة بلبنان وسوريا والمنطقة.
وأشار إلى أن الانسحاب العسكري السوري من لبنان عام 2005 أنهى مرحلة طويلة من الوجود السوري المباشر، وأن لبنان دخل بعدها في مرحلة من التوازنات والصراعات بين قوى محلية وإقليمية ودولية مختلفة.
وفي هذا الإطار، تحدث مطر عن موقع حزب الله داخل المشهد اللبناني، مشيراً إلى أن الحزب، رغم تعرضه لضربات كبيرة وتغير الظروف المحيطة به، ما زال يمتلك قاعدة شعبية وبنية تنظيمية ونفوذاً سياسياً، وإن كان وضعه قد تغير مقارنة بمراحل سابقة.
وتناول مطر كذلك طبيعة الحرب الحديثة، معتبراً أن استخدام التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي في جمع المعلومات واختيار الأهداف يمثل تحولاً كبيراً في طبيعة الحروب، وأن تأثير هذه التقنيات لا يقتصر على الميدان العسكري، بل يمتد إلى الحياة اليومية والمجتمع والحالة النفسية للمدنيين.
وهذه النقطة تحديداً جاءت في إطار تحليل مطر للحرب، ولا تعني بالضرورة وجود توصيف قانوني أو تقني دولي موحد للحرب في لبنان باعتبارها «أول حرب بالذكاء الاصطناعي» على هذا النحو.
وفي الجانب الدولي، رأى مطر أن العالم يشهد انتقالاً من مرحلة التحالفات الكبرى والثابتة إلى نمط أكثر مرونة، تقوم فيه الدول على تفاهمات وتحالفات محدودة مرتبطة بأهداف ومصالح محددة. واعتبر أن هذا الواقع يمنح الدول الصغيرة والمتوسطة فرصاً أكبر للبحث عن مساحة من الاستقلالية الاستراتيجية.
وفي ختام حديثه، دعا مطر إلى الانتقال من التضامن الرمزي مع فلسطين ولبنان إلى أشكال أكثر تنظيماً من العمل الشعبي والإعلامي والسياسي والقانوني، مشدداً على أهمية دعم السكان المتضررين ومساعدتهم على الصمود وإبقاء قضاياهم حاضرة في الرأي العام الدولي.
كما أشار إلى التحول الذي يراه في نظرة قطاعات من الرأي العام العالمي إلى إسرائيل، معتبراً أن الحرب في غزة وما خلفته من ضحايا مدنيين، وخصوصاً الأطفال، أثرت بصورة كبيرة في هذه النظرة.
ودعا الشعوب الأوروبية، ومن بينها شعوب فرنسا وإيطاليا وإسبانيا وغيرها، إلى الضغط على حكوماتها من أجل اعتماد سياسات أكثر توازناً تجاه فلسطين ولبنان وسوريا، معتبراً أن استقرار شرق المتوسط ليس قضية أخلاقية وإنسانية فحسب، بل يرتبط أيضاً بالمصالح الأوروبية وبأمن المنطقة.
وفي ختام اللقاءات، بدت الرسالة المشتركة واضحة: إن إحياء ذكرى صبرا وشاتيلا لا ينبغي أن يبقى في إطار المراسم السنوية، بل يجب أن يتحول إلى مناسبة لإعادة طرح قضية العدالة والمحاسبة وحقوق الضحايا.
ومن بيروت، حيث ما زالت ذاكرة صبرا وشاتيلا حاضرة، امتد النقاش إلى غزة ولبنان وسوريا وإلى مستقبل المنطقة كلها. فالمجزرة التي وقعت قبل 44 عاماً لم تختفِ من الذاكرة، كما أن ما يجري اليوم يعيد طرح الأسئلة القديمة نفسها حول حماية المدنيين، وحقوق الشعوب، والمحاسبة، ودور المجتمع الدولي في منع تكرار الجرائم.
وبالنسبة إلى الناجين وعائلات الضحايا والمتضامنين معهم، فإن الذاكرة ليست مجرد استعادة للماضي، وإنما مسؤولية تجاه الحاضر والمستقبل. ولهذا تبقى صبرا وشاتيلا حاضرة في النقاش حول غزة، لا باعتبارهما حدثين متطابقين، وإنما باعتبارهما جزءاً من ذاكرة فلسطينية ولبنانية ما زالت تبحث عن العدالة.
وكما قالت نوال، إحدى الناجيات من صبرا وشاتيلا، فإن ما يجري في غزة لا يمكن إنكاره. وبعد أكثر من أربعة عقود، يبقى التحدي الحقيقي هو ألا تتحول المآسي إلى أرقام وذكريات موسمية، وأن تبقى حقوق الضحايا حاضرة في العمل السياسي والقانوني والإنساني، حتى لا تتكرر المأساة مرة أخرى.



