بقلم:كاتب روائي وصحفى وباحث ميدانى ومدون/جهادابو زبيدة
زيارة بنيامين نتنياهو إلى قاعدة سلاح البحرية في أشدود لم تكن زيارة بروتوكولية عابرة بل جاءت في توقيت يحمل دلالات سياسية وأمنية وعسكرية واضحة خصوصا بعد حديثه عن تحول البحر إلى ساحة قتال دولية وربطه بين مضيق هرمز وباب المندب وبين ما سماه تهديدا إسرائيليا محتملا في البحر المتوسط
نتنياهو لم يكتف بالحديث عن حماية الموانئ والملاحة بل أعلن عن توجه واضح لتوسيع القوة البحرية الإسرائيلية وقال إن الغواصة السادسة وصلت إلى إسرائيل وإن المؤسسة الأمنية تريد المزيد من الغواصات والسفن ووسائل أخرى لم يكشف عنها
سياسيا يريد نتنياهو من هذا الإعلان توجيه رسالة إلى أكثر من طرف في الوقت نفسه
الرسالة الأولى إلى إيران وحلفائها وهي أن إسرائيل لا تنظر إلى المواجهة باعتبارها مواجهة برية أو جوية فقط بل تريد أن تكون مستعدة لنقلها إلى المجال البحري
والرسالة الثانية إلى الحوثيين الذين ارتبط اسمهم خلال الفترة الماضية بتهديد حركة الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب حيث ترى إسرائيل أن أمن خطوط الملاحة جزء من أمنها الاستراتيجي
أما الرسالة الثالثة فهي داخلية وتتمثل في إقناع الجمهور الإسرائيلي بأن الحكومة تستعد لتهديدات متعددة الاتجاهات وأن الحرب المقبلة لا يمكن التعامل معها بالأساليب التقليدية وحدها
عسكريا فإن أهم ما في كلام نتنياهو ليس عبارة القوة البحرية فقط وإنما حديثه عن المجال فوق سطح البحر وتحته فالغواصات تمنح إسرائيل قدرة على العمل بعيدا عن سواحلها وتوفر عنصر الردع والقدرة على تنفيذ مهام سرية لا يمكن الإعلان عن تفاصيلها وهذا يفسر إشارته إلى وسائل أخرى رفض الكشف عنها
وصول الغواصة السادسة في حد ذاته يحمل بعدا رمزيا وعسكريا فقد وصف وزير الدفاع الإسرائيلي وصولها بأنه رسالة إلى إيران كما تحدث عن تزايد أهمية دور البحرية الإسرائيلية في المستقبل
لكن هناك نقطة مهمة في كلام نتنياهو وهي حديثه عن حماية إسرائيل من البحر
هذا التعبير يعني أن إسرائيل تنظر إلى البحر المتوسط باعتباره جبهة محتملة وليست مجرد طريق للتجارة والطاقة فتهديد الموانئ أو السفن أو خطوط الإمداد يمكن أن يتحول إلى ضغط اقتصادي وأمني كبير ولذلك تريد تل أبيب امتلاك قدرة على اكتشاف التهديد واعتراضه وربما ضرب مصادره قبل وصوله إلى الساحل
ومن الناحية الأمنية فإن اختيار قاعدة أشدود له دلالة أيضا لأنها تقع في القطاع الجنوبي من الساحل الإسرائيلي وترتبط بالعمل البحري في مواجهة التهديدات القادمة من جهة البحر الأحمر وغزة والمجال المتوسطي
واللافت أن نتنياهو تحدث عن أن إسرائيل تريد أن تكون من الدول الرائدة عالميا في الحرب البحرية وهذا يتجاوز فكرة الدفاع عن الموانئ إلى بناء قدرة بحرية أكثر تأثيرا وهو ما يعني أن إسرائيل تفكر في البحر كساحة عمليات واحتياط استراتيجي وليس فقط كخط دفاع أخير
الخلاصة أن نتنياهو أراد من زيارة أشدود وإعلانه إيصال رسالة مزدوجة مفادها أن إسرائيل تستعد لمرحلة قد تصبح فيها الممرات البحرية جزءا أساسيا من الصراع الإقليمي وأنها تريد امتلاك قدرة على خوض هذه المواجهة فوق البحر وتحته
والأهم أن الإعلان لا يعني بالضرورة أن مواجهة بحرية كبيرة ستبدأ غدا لكنه يكشف عن تغير في التفكير العسكري الإسرائيلي فالتهديد لم يعد محصورا في الحدود البرية أو المجال الجوي بل أصبح البحر جزءا من معادلة الردع والحرب المقبلة
وهنا تكمن الرسالة الأخطر في كلام نتنياهو فحين يقول إن إسرائيل تريد أن تكون قوة عالمية في الحرب البحرية فهو لا يتحدث فقط عن حماية الموانئ وإنما يعلن عن استعداد لبناء قدرة تستطيع من خلالها إسرائيل التأثير في مساحات بحرية أبعد من شواطئها
وقد جاءت الزيارة فعلا في ظل نقاش إسرائيلي متزايد حول تهديدات الحوثيين وباب المندب وهو ما يعطي التصريحات بعدا يتجاوز الاستعراض العسكري إلى إعادة ترتيب أولويات الأمن الإسرائيلي
البحر يدخل قلب المواجهة ماذا يريد نتنياهو من إعلان القوة البحرية الإسرائيلية



