بقلم / عبدالهادي مسلم
تمرّ هذه الأيام ذكرى مرور عام على خطة ترامب بشأن قطاع غزة، وما ارتبط بها من إنشاء مجلس السلام والاتفاق على تسليم الأسرى. يومها، كنا نعتقد، رغم الشروط المجحفة والظالمة، أن هذه الخطة قد تفتح نافذة أمل، أو تشكّل ضوءًا في نهاية نفق طويل ومظلم، بعدما تكالبت الدنيا على غزة، عربًا وعجمًا، ودولًا وحكومات، باستثناء أصوات حرة من الشعوب وقفت إلى جانب شعبنا المظلوم.
أمام هذا التآمر والتخاذل والضغوط الهائلة، لم يكن أمام غزة، التي أنهكتها الحرب والدمار والمجازر والحصار والتجويع، سوى التعامل مع الواقع المرير، وقبول ما يمكن أن يوقف شلال الدماء وينهي معاناة أهلها ويوقف سياسة التهجير التي ما زالت قائمة. وكنا نتمنى لو جرى التوصل إلى اتفاق منذ بداية الحرب، لكنني كنت أعتقد، وما زلت، أن ما تعرضت له غزة من إبادة ودمار وخراب وتجويع وحصار كان سيحدث حتى لو جرى القبول بالاتفاق منذ اليوم الأول، في ظل إصرار حكومة الاحتلال على مواصلة عدوانها وعدم احترامها للاتفاقات والالتزامات.
لم نكن نطالب بتحقيق كل البنود دفعة واحدة، بل كنا نأمل أن يُنفَّذ بعضها على الأقل، وأن تكون هذه الخطة بداية حقيقية لوقف الحرب، وإنهاء الحصار، وإدخال المساعدات، وعودة النازحين إلى بيوتهم، وإعادة إعمار ما دمرته آلة الحرب، وفتح صفحة جديدة تضمن لشعبنا حياة كريمة وآمنة.
لكن، وبعد مرور عام، ماذا تحقق على أرض الواقع؟
فالإبادة والقتل لم يتوقفا، وسياسة التجويع والحصار ما زالت مستمرة، والتضييق على المواطنين يتواصل، والخط الأصفر يتقدم ليطال مناطق قرب شارع صلاح الدين، فيما تتحدث التقديرات المتداولة عن سيطرة الاحتلال على نحو 70% من مساحة القطاع. وما زال مئات الآلاف من أبناء شعبنا يعيشون في النزوح والخيام ومراكز الإيواء، وسط ظروف إنسانية بالغة القسوة، وبعد سنوات من الحرب التي قلبت حياتهم رأسًا على عقب، ودمرت منازلهم، وقطعت أرزاقهم، وسلبتهم أبسط مقومات الحياة.
للأسف، يبدو أن البند الذي حظي بالأولوية القصوى لدى الاحتلال وحلفائه والوسطاء هو المتعلق باستعادة الأسرى الإسرائيليين، بعدما مارس الاحتلال ضغوطه بالطائرات والمدافع والقتل والتدمير والتجويع والحصار لتحقيق هذا الهدف. أما حقوق شعبنا الفلسطيني، ومعاناته، ودماء أطفاله ونسائه، وحقه في الحياة والأمن والحرية، فما زالت معلّقة، وكأنها لا تستحق الالتزام والتنفيذ.
لقد علّقنا الآمال على أن يكون الاتفاق بداية للخلاص، وأن نرى ضوءًا حقيقيًا في نهاية النفق، لكننا وجدنا أنفسنا أمام واقع أكثر قسوة، ووعود لم تتحول إلى سلام حقيقي، والتزامات لم تنعكس على حياة الناس وأمنهم وكرامتهم.
وفي المقابل، لا يتوقف نتنياهو، المجرم المسؤول عن هذه المأساة، عن إطلاق التهديدات، وكأن كل ما ارتكبه من قتل وتدمير لم يكن كافيًا.
وما زاد مرارة المشهد أن بعض الأطراف العربية ظلت ترفع شعار الوساطة، وتطالب بإنهاء ملف الأسرى وتسليمهم، وتؤكد قدرتها على الضغط لإنجاز الاتفاق، فيما كنا نأمل أن تكون هذه الوساطة مدخلًا حقيقيًا لوقف العدوان، لا مجرد وسيلة لتحقيق مطالب الاحتلال. وقد خاب أملنا في أن تتحول هذه الوعود إلى خطوات عملية تضع حدًا للمأساة، وتفرض تنفيذ الالتزامات المتعلقة بشعبنا.
لا نملك اليوم إلا أن نتمسك بحقوق شعبنا، وأن نرفع صوتنا في وجه الظلم، وأن نطالب بتنفيذ الاتفاق كاملًا، ووقف العدوان، وإنهاء الحصار والتجويع، وانسحاب الاحتلال، وإعادة الإعمار، وعودة النازحين إلى بيوتهم، وضمان حياة حرة وكريمة لأبناء غزة.
عامٌ مضى، وما زالت غزة تنزف، وما زال شعبها يدفع الثمن من دمه ولحمه وأعصابه ومستقبله.
لكن شعبًا صابر ومحتسب أمام كل هذه المآسي لن يفقد حقه في الحياة والحرية والكرامة، ولن تسقط مطالبه بالتقادم، مهما طال الزمن ومهما اشتدت المحن.
حسبنا الله ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
الصحفي / عبد الهادي مسلم عرض أقل
عامٌ على خطة ترامب ومجلس السلام في غزة… الأسرى عادوا، لكن الإبادة والحصار والتجويع لم تتوقف!



