شبكة الأخبار الفلسطينية - P.N.NEWS
اعلان عرضي
اعلان عرضي

الصبي الذي يهمس للجمال

الصبي الذي يهمس للجمال

الصبي الذي يهمس للجمال

بقلم: لورا أليغريني *

دعيت من قبل السفارة الملكية للمملكة العربية السعودية في روما لحضور عرض الفيلم الحائز على عدة جوائز «حجّان» (Hajjan)، وذلك في قاعة السينما في فندق «سوهو». وكانت مناسبة مميزة للعودة، من خلال السينما، إلى أجواء المملكة العربية السعودية وألوانها ومشاهدها وما تحمله من إيحاءات.
استقبلنا رجلان يرتديان الزي السعودي التقليدي، وقدما لنا التمر والحلويات المحشوة بمعجون التمر والقهوة بالهيل. وبما أنني لم أتذوقها منذ فترة، فقد استمتعت بأكثر من فنجان من القهوة.
وفي قاعة السينما الأنيقة، كان لكل مقعدين طاولة خاصة مع خدمة المأكولات والمشروبات، لكن قبل بدء الفيلم واصل الرجلان السعوديان تقديم التمر والقهوة بالهيل للضيوف.
ثم انطفأت الأنوار، وانتقلنا بطريقة ساحرة إلى المنطقة الجبلية في تبوك، في المملكة العربية السعودية. كانت حبات الثلج تستقر فوق الأرض الجافة، فيما انتشر صوت غناء قديم هو «الهُداء»، وهو الغناء التقليدي الذي كان يردده رعاة الإبل خلال رحلاتهم لقيادة الجمال بإيقاع يتناغم مع حركتها. ومن هنا تظهر العلاقة العميقة والعاطفية بين الإنسان وهذه الحيوانات الاستثنائية.
ومن هذه العلاقة تبدأ قصة «حجّان»، وهي كلمة عربية تعني «راكب الجمل»، كما تشير تاريخياً إلى الجمل من السلالة الأصيلة الذي يتم اختياره خصيصاً لسباقات الهجن لما يتمتع به من رشاقة وسرعة وقدرة على التحمل.
يروي الفيلم قصة مراهق يدعى مطر، يؤدي دوره الممثل الشاب عمر العطاوي، والعلاقة العميقة التي تربطه بناقة أصيلة تدعى حفيرة، يكن لها حباً خاصاً. وعندما ولدت حفيرة، اعتقد الجميع أنها ماتت، لكن مطر تمكن من إنقاذها من خلال الهمس في أذنها بذلك الغناء القديم. ومنذ ذلك الحين نشأت بينهما علاقة لا تنفصم.
وعندما يتسبب مالك الإسطبلات القوي والقاسي جاسر الصقّار في مقتل شقيقه غانم خلال أحد السباقات، يقرر مطر المشاركة في السباقات مع حفيرة، تكريماً لذكرى شقيقه الفارس، وإنقاذ ناقته من الذبح.
وهكذا يجد نفسه أمام عالم أكبر منه، وتصبح علاقته بحفيرة محور رحلة للنضج، تقوم على الشجاعة والصداقة والرغبة في استعادة الحق والحرية.
إنها قصة شاعرية تحافظ على انتباه المشاهد طوال الفيلم من دون أن يشعر بالملل. وقد كتب سيناريو الفيلم المصري عمر شاما والسعودي مفرج المجفل، ويمكن، من حيث الجودة، أن يضعه البعض إلى جانب العديد من إنتاجات شركة والت ديزني.
وكان من الخيارات المتعمدة للمخرج أبو بكر شوقي أن يمنح الفيلم بعداً دولياً، فاستعان بالمؤلف الموسيقي الفرنسي التونسي أمين بوحافة لوضع موسيقى تصويرية بأسلوب سيمفوني كلاسيكي غربي. وقد نجحت الموسيقى في الوصول إلى مشاعر المشاهد، وبلغ تأثيرها ذروته خلال مشاهد سباقات الهجن، التي صوّرها المخرج وأخرجها بإيقاع سريع ومتحرك، إلى درجة تجعل المشاهد يشعر برغبة في تحريك ساقيه والركض مع مطر وحفيرة، أو تشجيعهما على الوصول إلى خط النهاية منتصرين.
وعلى مدى قرون، كانت سباقات الهجن مجالاً يهيمن عليه الرجال، وفي هذا الفيلم نجد شخصيتين نسائيتين تبدوان في البداية هامشيتين، هما سارة، التي تؤدي دورها الممثلة الشيماء طيب، وهي زوجة الشرير جاسر الصقّار، وابنتها الشابة مجد، التي تؤدي دورها تولين باربود، والتي تتنكر طوال الفيلم في هيئة صبي حتى تتمكن من مواصلة المشاركة كفارس في سباقات الهجن.
فالسباق الرياضي، كما يعرضه الفيلم، كان مجالاً محظوراً على النساء.
وتقدم سارة ومجد واحدة من أكثر مشاهد الفيلم إثارة، حيث تمنحان المشاهد لحظة ترمز إلى التحرر الاجتماعي وتمكين المرأة. ففي السباق الأخير، تتحلى مجد بالشجاعة والتصميم وتنزع الشِّماغ، وهو غطاء الرأس التقليدي الذي يرتديه فرسان الهجن، لتترك شعرها الطويل يتطاير مع الريح لحظة وصولها إلى خط النهاية منتصرة.
ومن خلال هذا المشهد، ينقل المخرج الاهتمام، ظاهرياً فقط، من مطر وحفيرة إلى التحرر الرمزي لمجد. لكن كل ذلك ما كان ليحدث لو لم يدخل مطر حياة مجد ووالدتها سارة، بما يتمتع به من نقاء وصدق وإصرار، ليمنحهما، ولا سيما مجد، الشجاعة والقوة للخروج إلى العلن واستعادة حريتهما.
وقبل سنوات قليلة، لم يكن من الممكن، بحسب الكاتبة، كتابة مشهد من هذا النوع في فيلم سعودي. وكما هو معروف، فقد اكتسبت النساء في المملكة خلال السنوات الأخيرة مجموعة من الحقوق في إطار الإصلاحات التي أُقرت في عهد ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، ومن بينها خيارات أوسع في ما يتعلق باللباس والحجاب.
وبرأيي، يمثل هذا المشهد استعارة عن السعودية الجديدة، وتحية ضمنية لولي العهد محمد بن سلمان.
لكن لنعد إلى أحداث الفيلم. عندما يقوم الشرير جاسر بإصابة حفيرة بجروح بالغة في محاولة لقتلها، يعود مطر، كما فعل يوم ولادتها، إلى الهمس في أذنها بالغناء القديم نفسه. وتحدث عملية التعافي من جديد من خلال التأثير العلاجي لغناء الهُداء، الذي يصل إلى أعمق غرائز الناقة.
أُنتج فيلم «حجّان» من قبل مركز الملك عبدالعزيز الثقافي العالمي «إثراء» (Ithra)، بالتعاون مع فيلم كلينك (Film Clinic)، وبدعم من هيئة الأفلام السعودية.
وصُورت مشاهد الفيلم في المنطقة المستقبلية نيوم وفي منطقة تبوك الواقعة شمال غربي المملكة العربية السعودية، على ساحل البحر الأحمر، والتي تتميز بتكويناتها الصخرية المذهلة وأوديتها الرملية الحمراء ووديانها الصحراوية القديمة. واستغرق إنتاج الفيلم نحو عامين.
واستفاد المخرج من المساحات الصحراوية الواسعة والمشاهد الطبيعية الساحرة، فاختار الجمع بين نوع أفلام النضج والانتقال إلى مرحلة الشباب (Coming-of-age) والدراما الرياضية (Sports Drama)، ليروي حكايته العربية التي تمزج بين عناصر الحكاية الخيالية وقواعد الغرب الحديث أو «الويسترن الصحراوي» (Modern Western / Desert Western).
وتستحضر اللقطات الواسعة والملحمية، إلى جانب التصوير السينمائي المميز لمدير التصوير جيري فاسبِنتر، أجواء أفلام الويسترن الكبرى، ولكن بعد إعادة تقديمها ضمن ثقافة وبيئة مختلفتين تماماً.
ويؤدي الممثل عزام النمري دور غانم، شقيق مطر. ورغم ظهوره في مشاهد قليلة، فإنه ينجح في إظهار قدرات تمثيلية لافتة.
كما يقدم الممثل عبدالمحسن النمر، في دور الشرير جاسر، شخصية غنية بالتفاصيل والانفعالات من خلال تعبيرات وجهه وحضوره القوي. وبرأيي، يستحق أداؤه دون أدنى شك جائزة الأوسكار. وأتحدث هنا، بطبيعة الحال، عن اثنين من أبرز الممثلين في السعودية والعالم العربي.
ويضم الفيلم أيضاً الممثلين محمد هلال في دور صالح، وإبراهيم الحساوي في دور عابد، وناصر الربيعان في دور المري، ومحمد الزهراني في دور متلق، وصالح الخلاقي في دور بريك، ومحمد طلاق في دور هزاع، إلى جانب عدد آخر من الممثلين الذين يشكلون طاقم العمل، حيث ينجح كل ممثل في منح شخصيته الأصالة والعمق والتأثير.
أنصح بشدة بمشاهدة هذا الفيلم الذي ينتمي إلى نمط الويسترن الحديث، وهو مناسب للمراهقين والأطفال لأنه، كما سبق أن ذكرت، يجمع عناصر الحكاية السينمائية الخيالية، لكنه في الوقت نفسه قادر على نقل مشاعر عميقة إلى الكبار.
والانطباع الذي خرجت به من قاعة السينما هو أن «حجّان» ترك حتى لدى مشاهدين مثلي إحساساً بالخفة والفرح ورغبة شاعرية في الهمس للجمال.
لذلك، انسوا أفلام الويسترن الأميركية الكلاسيكية. فالجبهة الجديدة لسينما المغامرة تنطلق بأقصى سرعة على طرق المملكة العربية السعودية، بين الرمال وسحر سباقات الهجن العريق.

 

*  لورا أليغريني عضو لجنة الثقافة في جمعية الصداقة

مشاركة

مشاركة الخبر

أدوات
البريد الإلكتروني
إعلانات
اعلان عامودي
اعلان عامودي اخر
اعلان عرضي