من الخدمة إلى التنمية: متى يصنع الكشاف أثرًا يبقى؟
أ. وائل نعيم عبدالله
كاتب،باحث في القضايا الاجتماعية والتنمية وإدارة الأزمات
لا تُقاس قيمة العمل الكشفي بعدد الأنشطة، بل بما يتغيّر في المجتمع بعد انتهائها
تنتهي المساعدة عادةً بانتهاء الحاجة، أما التغيير الحقيقي فيبدأ حين يترك المتطوع خلفه قدرةً لا أثرًا عابرًا. وهنا يُطرح السؤال أمام الحركة الكشفية: متى تنتقل الخدمة من فعل إنساني مؤقت إلى مساهمة حقيقية في تنمية المجتمع؟
الحملة ليست نهاية السؤال
قيمة الكشافة لا تُقاس بعدد السلال الموزّعة أو حملات التنظيف المنفّذة، فهذه مؤشرات على النشاط لا على أثره. فريق كشفي ينظّف حيًّا سكنيًا يترك شوارع أنظف، لكن الحيّ قد يعود إلى حاله بعد أسابيع إن لم يُطرح السؤال الأصعب: لماذا تراكمت النفايات أصلًا، ومن يتشارك مسؤولية منعها؟ عندئذ تتحول الخدمة من ساعات عمل إلى تجربة تصنع وعيًا وسلوكًا، وهو جوهر التنمية المستدامة كما عرّفتها الأمم المتحدة منذ تقرير برونتلاند عام 1987: تلبية حاجات الحاضر دون المساس بحاجات الأجيال المقبلة.
ولا يحتاج المجتمع إلى مساعدين يهرعون عند وقوع الكارثة فحسب، بل إلى شباب يلتقطون الإشارات الأولى قبل أن تستفحل. فقد يلاحظ كشاف أن مساحة خضراء في منطقته تُركت للإهمال، فيتجاوز حملة اليوم الواحد إلى مشروع يبدأ بتحديد المشكلة، ثم التعاون مع الأهالي على إعادة التأهيل والتشجير، ووضع خطة للعناية بالمكان، وإشراك أطفال الحيّ في رعايته. وبهذا يصبح المشروع الكشفي مدرسة للمواطنة العملية.
نيبال: من الأنقاض إلى إعادة البناء
بعد زلزال 25 نيسان/أبريل 2015 شارك الكشافة النيباليون في بناء الملاجئ المؤقتة وتقديم الإسعافات الأولية وإزالة الأنقاض. لكنهم لم يغادروا مع انحسار الطوارئ؛ فبحسب تقرير للمنظمة الكشفية العالمية في 23 أيار/مايو 2016، واصلوا جهود التعافي وشاركوا في إعادة بناء المنازل والمدارس.
الإغاثة تداوي أثر الكارثة، وإعادة البناء تنظر إلى المستقبل.
لبنان: كشّاف من داخل الحكاية
في عام 2014 وثّقت المنظمة الكشفية العالمية عمل اتحاد كشاف لبنان منذ 2013 مع آلاف الأسر السورية اللاجئة، بالتعاون مع السلطات والمجتمعات المحلية، عبر مستلزمات الشتاء ومساندة الأطفال ودعم الاندماج في المجتمعات المضيفة. وفي 27 تشرين الأول/أكتوبر 2024 وثّقت الوكالة الوطنية للإعلام مشاركة متطوعي «كشافة لبنان المستقبل» في استقبال النازحين في صيدا وتسجيلهم وتوجيههم إلى مراكز الإيواء، ومساعدة كبار السن، وتنظيم أنشطة للأطفال. يجمع هذه الأمثلة أن الكشاف ابن البيئة التي يخدمها؛ يعرف الوجوه والأزقّة، ويصل إلى الناس بسرعة.
فلسطين: حين تصير الأزمة نمط حياة
بعد تهجير 1948 واصل الكشافة تأسيس الفرق داخل المخيمات الفلسطينية، ولا تزال الكشافة الفلسطينية في لبنان تنظّم برامج التدريب والمسير والسمر؛ إذ اختتمت موسمها الصيفي لعام 2026 بتدريبات ميدانية ومحاضرات تربوية. أما في غزة، فقد ذكرت المنظمة الكشفية العالمية في تشرين الثاني/نوفمبر 2023 أن قادة الكشافة والمرشدات يدعمون الصحة النفسية لأكثر من 1,300 طفل وشاب في مراكز الإيواء بخان يونس، بالتعاون مع صندوق الأمم المتحدة للسكان والأونروا، ضمن جهود أوسع في 20 مركز إيواء. وفي أيلول/سبتمبر 2025 أفادت بأن الكشافة نظّموا توزيع المياه، وأسهموا في مطابخ مجتمعية توفّر آلاف الوجبات، وقادوا حملات تبرع بالدم، وواصلوا برامجهم داخل المراكز لمنح الأطفال إحساسًا بالحياة الطبيعية. هنا تتجاوز الخدمة سدّ الجوع إلى ترميم ما تكسّره الحرب في الأطفال.
الأرقام لا تكفي
تذكر المنظمة الكشفية العالمية أن مبادرة «رسل السلام» شهدت منذ 2010 أكثر من 16 مليون مشروع ونشاط محلي وقرابة 3 مليارات ساعة من خدمة المجتمع. لكنها أرقام تصف حجم النشاط لا جودة أثره؛ فقد تغيّر حملة صغيرة سلوك حيّ كامل، بينما تمرّ مبادرة ضخمة دون أثر بعيد المدى. لذلك ينبغي أن يتبدل السؤال بعد كل مشروع من «كم شخصًا شارك؟» إلى «ماذا تغيّر، وهل استمر بعد رحيل الكشافة؟»
والفائدة لا تعود على المجتمع وحده؛ فالشاب يتعلم التخطيط وتحمّل المسؤولية والعمل الجماعي. وفي لبنان أظهرت بيانات اليونيسف لعام 2024 أن منصة «نحنا المتطوعون» استقطبت 11,321 متطوعًا، وأن 4,500 شاب وشابة شاركوا في 136 مبادرة يقودها الشباب، ما يدل على إقبال الشباب على المشاركة متى توفرت لهم مساحات عملية.
ماذا بعد مرور الكشاف؟
الشجرة المزروعة تغدو تنمية حين تصير مساحة خضراء يرعاها أهلها، والسلة الغذائية تكتسب استدامة حين تقترن بما يعين الأسرة على الوصول إلى فرص أفضل، وحملة التوعية تثمر حين تُغيّر سلوكًا فعليًا. وقوة الكشاف ليست في امتلاك كل الحلول، بل في جمع الناس حول حلّ ممكن. فالسؤال الأجدر ليس: ماذا قدّم الكشاف للمجتمع؟ بل: ماذا صار المجتمع قادرًا على فعله بعد أن مرّ الكشاف من هنا؟
المصادر: المنظمة الكشفية العالمية

(WOSM)؛ الوكالة الوطنية للإعلام؛ الأمم المتحدة؛ اليونيسف لبنان؛ الجمعية العالمية لمرشدات وكشافات العالم (WAGGGS)؛ موقع مخيم الرشيدية.



