غزة / شبكة الاخبار الفلسطينية
لم تكن عمليات زراعة القوقعة الإلكترونية في غزة مجرد استعادة لخدمة طبية فقدها القطاع خلال سنوات الحرب، بل كانت بوابة أمل تُفتح من جديد أمام مرضى تدهورت حالاتهم في ظل ظروف قاسية حالت طويلًا دون حصولهم على الرعاية التخصصية التي يحتاجونها.
*من طفلة تعلّمت أن تسمع العالم من حولها.. إلى شابة تنتظر أن تسمع أصواته من جديد.*
تروي مريضة تبلغ من العمر 18 عاماً رحلة طويلة مع القوقعة الإلكترونية، بدأت منذ طفولتها، وتخللتها عمليات ومضاعفات وتحديات عديدة، قبل أن تصل أخيراً إلى مجمع ناصر الطبي بحثاً عن فرصة جديدة لاستعادة السمع.
تقول المريضة إنها خضعت لزراعة القوقعة الإلكترونية في أذنها اليسرى وهي في الثانية من عمرها، وتمكنت خلال السنوات التالية من تطوير السمع واللغة والتواصل بصورة جيدة، قبل أن تتعرض في عمر 12 عاماً لالتهابات متكررة حول الجهاز، ما استدعى استخراجه بشكل نهائي.
وتضيف أنها في عمر 15 عاماً خضعت لزراعة قوقعة في أذنها اليمنى، إلا أن وجود تكلسات وتغيرات تشريحية داخل الأذن حال دون تحقيق النتيجة السمعية المرجوة، لتبقى أمام تحدٍ جديد في رحلة استعادة السمع.
وبعد نحو ثلاث سنوات، وصلت إلى مجمع ناصر الطبي، حيث خضعت لتقييم دقيق لحالتها، التي أصبحت أكثر تعقيداً نتيجة العمليات السابقة والتغيرات التشريحية في كلتا الأذنين.
ويقول د. هيثم العجلة، استشاري ورئيس لجنة جراحة القوقعة، إن الفريق الطبي في مجمع ناصر الطبي درس الحالة بشكل تفصيلي بالتعاون مع الوفد الجراحي الروسي المتخصص، وجرى تقييم الوضع التشريحي في كلتا الأذنين لتحديد الخيار الأكثر ملاءمة وأماناً لإعادة الزراعة.
ويضيف استشاري ورئيس لجنة زراعة القوقعة أن مشاركة الوفد الروسي، ممثلاً بالجراح المتخصص د. فلاديسلاف كوزوفكوف، جاءت في إطار التعاون الجراحي وتبادل الخبرات في التعامل مع الحالات المعقدة، حيث شارك الوفد الفريق المحلي في تقييم الحالة ووضع الخطة الجراحية وتنفيذ مراحل التدخل.
ويشير إلى أن الفريق بدأ بتقييم إمكانية إعادة الزراعة في الأذن اليمنى، إلا أن التكلسات والتغيرات التشريحية الناتجة عن التدخلات السابقة حالت دون إمكانية إجراء زراعة مناسبة وآمنة في هذه الأذن، ليتم الانتقال إلى الأذن اليسرى.
ويوضح د. العجلة أن الفريق واجه تحدياً إضافياً في الأذن اليسرى، تمثل بوجود تسوس في الأذن، الأمر الذي استدعى استئصاله بشكل كامل باستخدام المجهر الجراحي، وتنظيف الأذن وتجهيزها، قبل إجراء زراعة القوقعة الإلكترونية الجديدة.
ويتابع أن العملية استغرقت أكثر من ست ساعات، نظراً لتعقيد الحالة وضرورة التعامل مع التغيرات التشريحية والتكلسات وآثار التدخلات الجراحية السابقة، بمشاركة الفريق الطبي في مجمع ناصر الطبي والوفد الجراحي الروسي.
وبعد انتهاء العملية، تم تفعيل جهاز القوقعة وإجراء الفحوصات والقياسات الفيزيولوجية اللازمة، بما فيها NRT/ECAP، والتي أظهرت استجابة إيجابية للعصب السمعي.
ويشير العجلة إلى أن الفريق اختبر الجهاز مع المريضة بعد تفعيله، حيث أبدت استجابة واضحة للأصوات، في لحظة شكلت بارقة أمل بعد سنوات من العمليات والتحديات.
وتقول المريضة إن تلك اللحظة كانت بداية جديدة في رحلتها، بعدما بدأت تسمع الأصوات من جديد، مؤكدة أن أمامها الآن مرحلة من التأهيل والتدريب السمعي حتى تتمكن تدريجياً من التعرف إلى الأصوات وفهم الكلام والاستفادة من القوقعة الجديدة.
وللقصة بقية..
فما حدث داخل غرفة العمليات لم يكن نهاية الرحلة، بل بداية مرحلة جديدة من التأهيل والمتابعة، على أمل أن تتحول الاستجابة الأولى للأصوات إلى قدرة سمعية وظيفية تساعدها على مواصلة حياتها وتواصلها مع من حولها.
وتأتي هذه العملية ضمن جهود تطوير برنامج زراعة القوقعة الإلكترونية في مجمع ناصر الطبي، وتعزيز الخبرات المحلية من خلال التعاون والتدريب المشترك مع الفرق الجراحية المتخصصة، بما يساهم في نقل الخبرات وتطوير قدرات الكوادر الطبية المحلية، ويفتح المجال أمام مرضى آخرين للحصول على خدمات تخصصية متقدمة داخل قطاع غزة.
ويُنفذ المشروع من خلال جمعية «من حقي أسمع» في الولايات المتحدة الأمريكية، بتمويل من الهيئة الإسلامية للتنمية والتمكين في أمريكا (IDEA)، فيما تتولى شركة استاميد تنفيذ المشروع بصفتها الوكيل الرسمي لشركة MED-EL المتخصصة في تقنيات وزراعة القوقعة السمعية.



