غزة / شبكة الاخبار الفلسطينية
تحولت أزمة قطع الغيار في قطاع غزة من مشكلة تخص أصحاب المركبات والورش إلى أزمة تمتد آثارها إلى قطاعات حيوية، من المواصلات والآلات الصناعية إلى المولدات الكهربائية والمخابز.
ومع صعوبة إدخال معدات جديدة أو قطع بديلة لإصلاح المعدات القديمة، يجد أصحاب الأعمال أنفسهم أمام خيارين أحلاهما مر، تشغيل آلات مستهلكة حتى تتوقف نهائيا أو البحث عن قطع نادرة في سوق محدودة تفرض أسعارا تفوق قدرة معظم المواطنين.
في الشوارع، تتوقف مركبات بسبب قطعة صغيرة لا تتوفر وفي الورش تتراكم السيارات التي تحتاج إلى إصلاحات لا يمكن إنجازها بسبب غياب القطع. أما المخابز، فتعمل بمعدات ومولدات استهلكت لسنوات طويلة، فيما بات الحصول على مستلزمات الصيانة تحديا بحد ذاته.
وبينما تتسع الفجوة بين العرض والطلب، انعكس ارتفاع أسعار قطع الغيار والزيوت والوقود على كلفة تشغيل المركبات وبالتالي على أجور المواصلات التي يدفعها المواطنون.
ولا تقتصر تداعيات الأزمة على الخسائر المالية لأصحاب المركبات والورش، إذ ترتبط بشكل مباشر بقدرة قطاعات أساسية على الاستمرار في العمل. فالمولد الكهربائي الذي يتعطل في ورشة أو مخبز قد يعني توقف النشاط بالكامل، كما أن خروج مركبة من الخدمة يحرم صاحبها من مصدر دخله ويقلل عدد وسائل النقل المتاحة للسكان.
وفي ظل ارتفاع أسعار السلع وتراجع القدرة الشرائية، تتحول كل قطعة مفقودة إلى حلقة جديدة في سلسلة من الضغوط الاقتصادية التي يعيشها سكان القطاع.
سوق بلا قطع
ويقول يوسف حمدان، صاحب مركبة لنقل الركاب في غزة، إن مركبته توقفت عن العمل بسبب عدم توفر قطعة تعرف باسم “رنق 89″، وهي قطعة مهمة لتنظيم عمل زيت السيارات. ويشير إلى أن المشكلة لم تعد في تكلفة إصلاح المركبة فقط وإنما في عدم وجود القطعة نفسها، ما جعل المركبة التي يعتمد عليها في تأمين دخله خارج الخدمة.
ويضيف حمدان: “أزمة الزيوت تزيد الوضع تعقيدا، موضحا أن زيت السيارات أصبح شحيحا إلى درجة يصعب معها على أصحاب المركبات توفيره، فيما تجاوز سعر اللتر ألف دولار أميركي في بعض الحالات”.
ويلفت إلى أن الحصول على الزيت أو قطع الغيار بات معركة يومية، خصوصا أن المركبة تحتاج إلى الصيانة بصورة مستمرة حتى تتمكن من مواصلة العمل.
ويؤكد أن توقف مركبته انعكس مباشرة على وضعه المادي، إذ فقد مصدر دخله في وقت تشهد فيه الأسواق ارتفاعا كبيرا في أسعار السلع والخدمات.
ويشدد على أن صاحب المركبة يجد نفسه أمام مصاريف متزايدة من جهة وانقطاع مصدر الدخل من جهة أخرى، بينما لا يستطيع ببساطة شراء مركبة جديدة أو استبدال المعدات القديمة في ظل صعوبة إدخال البدائل.
وفي مدينة غزة، يصف الميكانيكي عارف مسعود، صاحب ورشة لإصلاح المركبات، أزمة قطع الغيار بأنها واحدة من أكثر المشكلات التي تضغط على قطاع المواصلات والآلات بشكل عام.
ويقول مسعود إن الورش تستقبل مركبات تحتاج إلى قطع محددة لكن بعضها غير متوفر تماما، ما يجبر أصحاب السيارات على الانتظار أو البحث عن قطع مستعملة أو بدائل غير مضمونة.
ويضيف: “القطع التي يمكن العثور عليها في السوق شهدت ارتفاعات حادة في الأسعار وبعض القطع ارتفع سعرها إلى أكثر من سبعة أضعاف سعرها الطبيعي وربما أكثر في بعض الحالات”.
ويشير إلى أن هذا الارتفاع لا يرتبط دائما بحجم القطعة أو قيمتها وإنما بندرتها وصعوبة توفيرها، الأمر الذي جعل بعض الإصلاحات تفوق القدرة المالية لأصحاب المركبات.
ويقول مسعود إن ارتفاع كلفة الصيانة انعكس أيضا على أجور المواصلات، فالسائق أصبح مضطرا إلى تخصيص نحو 150 شيكلا يوميا كاحتياطي للصيانة، بعدما كان هذا المبلغ في السابق لا يتجاوز نحو 10 شواكل. “ومع ارتفاع تكاليف قطع الغيار والزيوت والوقود، يضطر السائقون إلى تحميل جزء من هذه الزيادة على أجور النقل، في وقت يعاني فيه المواطنون أصلا من البطالة وتراجع الدخل”.
توقف أعمال كاملة
ولا تتوقف أزمة قطع الغيار عند قطاع المواصلات، إذ تمتد إلى المخابز التي تعتمد على آلات ومعدات تحتاج إلى صيانة مستمرة.
ويقول رئيس جمعية أصحاب المخابز في قطاع غزة، عبد الناصر العجرمي، إن النقص الحاد في قطع الغيار اللازمة لصيانة معدات وآلات المخابز يمثل أبرز العقبات التي تواجه القطاع حاليا إلى جانب تهالك المولدات الكهربائية.
ويوضح العجرمي أن المواد وقطع الغيار اللازمة للصيانة لم تدخل قطاع غزة منذ نحو عامين، الأمر الذي جعل أعمال التأهيل والترميم تتم في حدودها الدنيا وبإمكانات شبه معدومة.
ويحذر من أن استمرار هذا النقص قد يؤدي إلى توقف بعض المخابز عن العمل إذا تعرضت أجهزتها لأعطال ولم تتوفر قطع بديلة داخل القطاع.
ويؤكد أن المولدات الكهربائية نفسها تعرضت لاستهلاك كبير نتيجة تشغيلها المتواصل لأكثر من 3 إلى 4 سنوات من دون صيانة دورية، ما يجعل استمرار توفر قطع الغيار والصيانة عاملا أساسيا في قدرة المخابز على مواصلة العمل.
ومع ارتفاع أسعار قطع الغيار والزيوت والوقود، تتسع دائرة التأثير لتصل إلى المستهلك النهائي. فالمواصلات التي كانت تكلف أقل من شيكل واحد في السابق ارتفعت إلى نحو 5 شواكل، في زيادة تضيف عبئا جديدا على المواطنين الذين يواجهون أصلا ارتفاعا في أسعار السلع وتراجعا في مصادر الدخل.
وفي ظل استمرار الاعتماد على معدات مستهلكة لسنوات، تصبح الصيانة وسيلة أساسية لإبقاء قطاعات حيوية على قيد العمل. لكن غياب قطع الغيار وارتفاع أسعار المتاح منها يضع هذه القطاعات أمام معادلة صعبة، معدات قديمة تحتاج إلى صيانة متواصلة وقطع لا تتوفر أو تباع بأسعار باهظة ومواطن لم يعد قادرا على تحمل المزيد من الزيادات في كلفة النقل والخدمات والسلع.



