شبكة الأخبار الفلسطينية - P.N.NEWS
اعلان عرضي
اعلان عرضي

الانتخابات الفلسطينية.. استحقاق وطني في مواجهة الاحتلال والانقسام والارتهان

الانتخابات الفلسطينية.. استحقاق وطني في مواجهة الاحتلال والانقسام والارتهان

الانتخابات الفلسطينية.. استحقاق وطني في مواجهة الاحتلال والانقسام والارتهان
كتب عصام الحلبي
الانتخابات الفلسطينية للمجلس الوطني والمجلس التشريعي ليست مجرد استحقاق انتخابي عادي، وليست مسألة إجرائية يمكن تأجيلها كلما ازدادت الظروف صعوبة. هي استحقاق وطني وسياسي يرتبط بمستقبل القضية الفلسطينية وبحق الشعب الفلسطيني في اختيار ممثليه وتجديد مؤسساته وشرعيته الوطنية، وفي هذه المرحلة بالذات تصبح الانتخابات أكثر أهمية لأنها ترتبط بوحدة القرار الفلسطيني وقدرته على مواجهة الاحتلال ومشاريعه.
فالشعب الفلسطيني الذي يواجه الاحتلال والاستيطان ومصادرة الأرض ومحاولات تغيير واقع القدس، ويعيش في ظل الحرب والتهجير والانقسام، يحتاج أكثر من أي وقت مضى إلى مؤسسات وطنية متجددة تستند إلى إرادته، وإلى قرار سياسي واضح لا خاضعاً لحسابات الآخرين.
المجلس الوطني يمثل الإطار الأوسع للشعب الفلسطيني، ويرتبط بمنظمة التحرير الفلسطينية التي تشكل الإطار الوطني الجامع للفلسطينيين في الوطن والشتات. أما المجلس التشريعي فهو جزء أساسي من الحياة السياسية والمؤسساتية الفلسطينية. وتجديد هذين المسارين، وفق الآليات التي تسمح بها الظروف، يعني إعادة الاعتبار للمشاركة الشعبية وللعمل المؤسساتي، ويمنح الفلسطينيين فرصة للتعبير عن إرادتهم واختيار ممثليهم.
ولهذا فإن الانتخابات يجب ألا تكون مناسبة جديدة للخلاف، بل فرصة لإعادة ترتيب البيت الفلسطيني. فالاختلاف السياسي أمر طبيعي، وتعدد الآراء لا يضعف القضية عندما يبقى داخل الإطار الوطني، لكن تحويل الاختلاف إلى تعطيل دائم للمؤسسات أو إلى محاولة لإضعاف أي استحقاق وطني هو أمر مختلف، لأنه يترك الساحة مفتوحة أمام الاحتلال وأمام التدخلات الخارجية.
والاحتلال الإسرائيلي يدرك أهمية المؤسسات الفلسطينية وشرعيتها، ولذلك فإن أي محاولة لإضعاف الحياة السياسية الفلسطينية أو تعطيل الاستحقاق الانتخابي تخدم في النهاية استمرار حالة الانقسام المقصود من قبل البعض ويوسع هوةالفراغ. فالاحتلال لا يحاول السيطرة على الأرض فقط، بل يعمل أيضاً على إضعاف قدرة الفلسطينيين على بناء مؤسساتهم والحفاظ على وحدتهم السياسية، لأن وجود مؤسسات وطنية ذات شرعية متجددة يعزز حضور الشعب الفلسطيني وقدرته على الدفاع عن حقوقه أمام العالم.
انتخاب الهيئات الوطنية والتشريعية وتجديد شرعيتها يعزز حضور القضية الفلسطينية داخلياً وعربياً وإقليمياً ودولياً، ويؤكد أن الفلسطينيين أصحاب الحق في تقرير مستقبلهم، وأن قضيتهم ليست مجرد ملف إنساني أو أمني يمكن التعامل معه بعيداً عن أصل القضية، وهو حق الشعب الفلسطيني في الحرية والاستقلال وتقرير المصير وإقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس الشربف.
لكن المؤسف أن محاولات إضعاف هذا الاستحقاق لا تأتي من الاحتلال وحده. هناك أيضاً أطراف فلسطينية تتبنى طروحات مرتبطة بمشاريع وجهات إقليمية، وتسعى إلى التشويش على الانتخابات أو التقليل من أهميتها وفي بعض الحالات تتحول القضية الفلسطينية إلى ورقة في صراعات الإقليم، بدلاً من أن تبقى المصلحة الفلسطينية هي المعيار الأول.
الخلاف مع أي جهة أو دولة أو قوة إقليمية لا يعني رفض الدعم العربي أو الدولي للقضية الفلسطينية، فالفلسطينيون بحاجة إلى كل دعم سياسي وقانوني وإنساني. لكن الفرق كبير بين الدعم الذي يساعد الفلسطيني على حماية حقوقه، وبين تحويل القضية إلى ورقة تستخدم في حسابات الآخرين. القرار الفلسطيني يجب أن يبقى فلسطينياً، والمصلحة الفلسطينية يجب أن تكون فوق أي مصلحة أخرى.
وشعبنا الفلسطيني لديه تجربة تاريخية مع محاولات إنشاء بدائل عن منظمة التحرير الفلسطينية أو تجاوزها. وقد شهدت مراحل سابقة محاولات من هذا النوع، شارك فيها فلسطينيون، لكنها لم تنجح في انتزاع الشرعية الوطنية من منظمة التحرير أو إلغاء دورها باعتبارها الإطار الجامع للشعب الفلسطيني. والتجربة تقول إن القضية الفلسطينية لا يمكن أن تختصرها جهة، ولا يمكن أن يصنع لها بديل من خارج الإرادة الفلسطينية.
ولهذا فإن المطلوب اليوم ليس البحث عن بدائل جديدة، وإنما العمل على تجديد مؤسسات منظمة التحرير وتطويرها وتوسيع المشاركة فيها، بحيث يشعر الفلسطيني في الوطن والشتات أن له مكاناً وصوتاً ودوراً في مؤسسات شعبه الوطنية. فالمنظمة تحتاج إلى التجديد وتعزيز حضورها، لا إلى الإضعاف أو التهميش.
ومن هنا تبرز أهمية المجلس الوطني، لأنه يمثل أحد العناوين الأساسية في الحياة الوطنية الفلسطينية، وتجديد تمثيله وتطوير آليات المشاركة فيه يمكن أن يعزز دور منظمة التحرير وقدرتها على تمثيل الشعب الفلسطيني بمختلف أماكن وجوده. كما أن استعادة الحياة التشريعية وتجديد المجلس التشريعي يمكن أن يعيدا الاعتبار للمشاركة الشعبية والعمل المؤسساتي.
قد لا تكون الظروف اليوم مثالية لإجراء الانتخابات، وهذا أمر لا يمكن تجاهله. فالاحتلال والحرب والتهجير والدمار والانقسام تفرض قيوداً حقيقية، لكن الظروف الصعبة لا يجب أن تعني إلغاء الاستحقاق من أساسه. المطلوب هو البحث عن الطرق الممكنة والمتاحة وإنجاز ما يمكن إنجازه، حيثما أمكن، وبما يحافظ على حق الفلسطينيين في المشاركة واختيار ممثليهم.
فالانتخابات لن تحل وحدها كل مشاكلنا، ولن تنهي الاحتلال بمجرد إجرائها، لكنها بداية مهمة لإعادة بناء الثقة وتجديد الشرعية وفتح الطريق أمام معالجة الخلافات على قاعدة سياسية ومؤسساتية، بدلاً من بقائها مفتوحة على الانقسام والتجاذبات.
وهنا تأتي القدس في قلب هذا الاستحقاق.
فالقدس ليست قضية منفصلة عن الانتخابات ولا عنواناً يضاف في نهاية البيانات السياسية. عندما ينتخب الفلسطينيون ممثليهم ويجددون مؤسساتهم، فإنهم يجددون أيضاً الأداة الوطنية التي تحمل قضية القدس وتدافع عن مكانتها وحق الشعب الفلسطيني فيها. والمؤسسات الفلسطينية ذات الشرعية المتجددة تكون أكثر قدرة على إبقاء القدس حاضرة في القرار الوطني وفي المحافل العربية والدولية.
ما يجري في القدس من محاولات لفرض وقائع جديدة وتغيير معالم المدينة وهويتها ومكانتها لا يمكن فصله عن المشروع الإسرائيلي الأوسع تجاه الشعب و الأرض الفلسطينية. ولذلك فإن الدفاع عن القدس لا يكون بالشعارات وحدها، بل يحتاج إلى قرار فلسطيني موحد ومؤسسات قوية وشرعية وطنية متجددة تستطيع حمل هذه القضية على مختلف المستويات.
ومن هنا فإن المجلس الوطني والمجلس التشريعي ومنظمة التحرير ليست مؤسسات بعيدة عن القدس، بل هي جزء من الإطار السياسي الذي يحمل المشروع الوطني الفلسطيني. وتجديد شرعيتها يعني تقوية الأدوات التي يستطيع الفلسطيني من خلالها الدفاع عن حقه في القدس وفي دولته المستقلة.
الاحتلال يريد للفلسطينيين أن ينشغلوا بخلافاتهم، وأن تبقى غزة منفصلة عن الضفة، وأن يبقى الشتات بعيداً عن القرار، وأن تتحول القضية الفلسطينية إلى مجموعة ملفات منفصلة. ومواجهة هذا المسار تبدأ بالحفاظ على وحدة الشعب والقضية، وبناء مؤسسات وطنية تجمع ولا تفرق، وتجدد الشرعية ولا تلغيها.
ولذلك فإن المطلوب من الجميع أن يتعامل مع الانتخابات باعتبارها استحقاقاً وطنياً لا ميداناً جديداً للمناكفات. من يريد أن يختلف فليختلف داخل الإطار الوطني، ومن لديه ملاحظات فليطرحها، ومن لديه رؤية أخرى فليقدمها للشعب، لكن لا يجوز أن يتحول الخلاف إلى وسيلة لتعطيل حق الفلسطينيين في اختيار ممثليهم وتجديد مؤسساتهم.
وفي النهاية، سيبقى القرار الفلسطيني ملكاً للشعب الفلسطيني. وعندما تتاح له فرصة الاختيار سيقول كلمته، وسيؤكد أن فلسطين ليست ورقة بيد أحد، وأن قضيتها ليست ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية، وأن القدس ليست قضية يمكن تجاوزها أو تأجيلها، وأن منظمة التحرير الفلسطينية تبقى الإطار الوطني الجامع الذي يجب تطويره وتجديد مؤسساته وتعزيز دوره.
إن إنجاز الانتخابات للمجلس الوطني والمجلس التشريعي، حيثما أمكن وبالطرق المتاحة والممكنة، هو خطوة نحو تجديد الشرعية وترتيب البيت الفلسطيني وتعزيز المؤسسات وحماية القرار الوطني. وهو أيضاً رسالة بأن الشعب الفلسطيني، رغم كل ما يواجهه، ما زال قادراً على ممارسة حقه السياسي وعلى الدفاع عن قضيته بأدواته الوطنية.
فالمشروع الوطني الفلسطيني لا يقوم على الشعارات وحدها، بل يحتاج إلى شعب موحد ومؤسسات شرعية وقرار مستقل ومنظمة تحرير قوية ومتجددة. وفي قلب هذا المشروع تبقى القدس حاضرة بكل ما تمثله من تاريخ وهوية وحق وسيادة.
فالقدس ليست فقط عاصمة الدولة الفلسطينية التي نريد الوصول إليها، بل هي جزء من الطريق إلى هذه الدولة. وكلما تجددت شرعية المؤسسات الفلسطينية وتقوى القرار الوطني وتراجعت مساحة المناكفة والارتهان من البعض للخارج ، أصبحت قضية القدس أكثر حضوراً في الفعل السياسي الفلسطيني.
ومن هنا فإن الانتخابات ليست مجرد صندوق اقتراع، وإنما جزء من معركة الحفاظ على القرار الوطني وعلى فلسطين نفسها. إنها فرصة ليقول الفلسطينيون إنهم أصحاب قضيتهم، وإن مؤسساتهم يجب أن تستمد شرعيتها منهم، وإن منظمة التحرير يجب أن تبقى إطارهم الوطني الجامع، وإن القدس ستبقى في قلب المشروع الوطني حتى الوصول إلى الدولة الفلسطينية المستقلة ذات السيادة وعاصمتها القدس.

مشاركة

مشاركة الخبر

أدوات
البريد الإلكتروني
إعلانات
اعلان عامودي
اعلان عامودي اخر
اعلان عرضي