الاكتشافات الأثرية تعيد إحياء مجد لبنان
كتب طلال خريس
تكشفت الاكتشافات الأثرية الجديدة في لبنان عن صفحات جديدة من تاريخه الغني، وتعيد إلى الواجهة أهمية هذا البلد الذي كان على مدى آلاف السنين ملتقى للحضارات والطرق التجارية على ساحل البحر المتوسط.
فقد عثر علماء الآثار مؤخراً على بقايا معبد روماني في بلدة معاصر الشوف، جنوب شرق بيروت، تضم أعمدة وقواعد حجرية، ويبلغ طول الموقع نحو 21 متراً وعرضه 11 متراً. ويعود تاريخ المعبد إلى الفترة الممتدة بين القرن الأول قبل الميلاد والقرن الثاني الميلادي.
وبحسب المديرة المحلية للآثار في وزارة الثقافة مريم زياد، فقد أُقيم نظام متكامل حول المعبد، قبل أن يتحول الموقع في مرحلة لاحقة إلى قلعة صليبية خلال القرنين الثاني عشر والثالث عشر، مستفيداً من موقعه على شبكة طرق كانت تربط ساحل البحر المتوسط بوادي البقاع.
هذه الاكتشافات لا تضيف مجرد قطع وأحجار إلى سجل التاريخ اللبناني، بل تؤكد أن أرض لبنان تختزن طبقات متراكمة من الحضارات التي تعاقبت عليها، من الفينيقيين والفارسيين والرومان والبيزنطيين وصولاً إلى العهد العثماني.
التراث في مواجهة الحرب
لكن هذا التراث الغني يواجه اليوم تهديدات كبيرة نتيجة التطورات الأمنية والعسكرية في البلاد والمنطقة.
ويقول المدير العام للآثار سركيس خوري إن أولويات المديرية تغيرت في ظل الظروف الراهنة، وأصبحت تتركز على حماية المواقع التراثية المهددة، فيما توقفت أعمال التنقيب في المناطق التي تشهد مخاطر أمنية.
ومن بين هذه المناطق مدينة صور التاريخية في جنوب لبنان، التي تحتضن مواقع أثرية مهمة تعود إلى العصور الفينيقية والرومانية، بينها قوس النصر الروماني وميدان سباق الخيل. وقد تعرضت المنطقة الجنوبية خلال الأشهر الماضية لأضرار نتيجة القصف.
كما أدرجت اليونسكو في تموز عدداً من المواقع اللبنانية على قائمة التراث العالمي المعرض للخطر، ومن بينها مواقع في جنوب لبنان تعرضت لأضرار، إضافة إلى قلعة الشقيف، أو قلعة بوفورت، التي يعود تاريخها إلى العهد الصليبي.
ويشير خوري إلى أن الحرب أدت أيضاً إلى توقف الفرق الأجنبية عن القدوم إلى لبنان، الأمر الذي انعكس على أعمال التنقيب والدراسات الأثرية.
ومع ذلك، تستمر الحفريات في مناطق أخرى أكثر أمناً.
اكتشافات جديدة في الشمال
في مدينة البترون الساحلية شمال لبنان، تتواصل أعمال التنقيب في عدد من المواقع الأثرية، حيث اكتشف الباحثون معصرة زيتون وأوزاناً طينية تعود إلى العصر الروماني، إضافة إلى أدوات مرتبطة بالنسيج والغزل.
وفي منطقة قريبة، عثر علماء الآثار على محجرين للحجارة، يعود أحدهما إلى العصر الروماني والآخر إلى العصر الفينيقي، في دلالة جديدة على استمرار النشاط العمراني والصناعي في المنطقة عبر مراحل تاريخية مختلفة.
كما كشفت أعمال التنقيب في مواقع أخرى عن آثار تعود إلى العهد العثماني، إلى جانب قطع أثرية من الفترات الفارسية والفينيقية والرومانية، وهو ما يعكس بوضوح تداخل الحضارات التي مرت على لبنان.
بيروت تكشف أسرارها
وفي العاصمة بيروت، تتواصل أعمال البحث والتنقيب في عدد من المواقع، بينها موقع اكتُشفت فيه مؤخراً معصرة زيتون رومانية.
كما يعمل علماء الآثار على تحديد موقع بقايا ميدان سباق الخيل الروماني في وسط المدينة، وهو الموقع الذي بدأت تظهر معالمه خلال حفريات سبقت إنشاء مجمع تجاري وسكني.
وتشير لور سلام، المشرفة على أعمال التنقيب في بيروت، إلى أن عدداً من الاكتشافات الأثرية في العاصمة جاء بصورة عرضية أثناء أعمال البناء.
ومن أبرز هذه الاكتشافات مجمع حراري روماني يعود تاريخه إلى نحو ألفي عام، ليضاف إلى سلسلة طويلة من المواقع واللقى التي تؤكد أن بيروت الحديثة تقوم فوق مدينة ضاربة في القدم.
ويبقى لبنان، رغم أزماته وحروبه، أرضاً مفتوحة على التاريخ. فكل حفرة جديدة قد تكشف أثراً جديداً، وكل حجر قد يحمل قصة حضارة عاشت هنا قبل آلاف السنين.
وكما يقول سركيس خوري، فإن لبنان يقع عند مفترق طرق في منطقة شهدت أزمات وتحولات كبرى على مدى آلاف السنين، ولذلك فإن ما يكتشف اليوم لا يمثل مجرد ماضٍ بعيد، بل جزءاً من هوية لبنان وذاكرته الثقافية والحضارية.
الاكتشافات الأثرية تعيد إحياء مجد لبنان



