بقلم الدكتور / حازم عوني الصوراني
الخيمة ليست وطنًا، ولا يمكن أن تكون بديلًا عن بيتٍ بُني بحجارة العمر، وحُفظت بين جدرانه الذكريات والأحلام. في قطاع غزة، أصبحت الخيمة عنوانًا لواقع فرضته الحرب والنزوح، لكنها لم تستطع أن تنتزع من الإنسان حقه في التطلع إلى حياة كريمة.
تمر الأيام ثقيلة على آلاف الأسر التي تعيش تحت أغطية من القماش لا تقي حرّ الصيف ولا برد الشتاء. ويكبر الأطفال وهم يظنون أن الخيمة هي الشكل الطبيعي للحياة، بينما تحمل وجوه الآباء والأمهات سؤالًا واحدًا لا يغيب: إلى متى؟
ليست المأساة في ضيق المكان وحده، بل في طول الانتظار. فالخيمة التي نُصبت على أمل أن تكون مأوى لأيام، امتد بها الزمن حتى أصبحت شاهدًا على معاناة مستمرة. وفي كل صباح يبدأ سكانها رحلة جديدة للبحث عن الماء والغذاء والدواء، وفي كل مساء ينامون على أمل أن يحمل الغد خبرًا يبدد هذا الواقع.
ومع ذلك، لم تنكسر إرادة الحياة. فما زالت العائلات تتقاسم ما تملك، ويصر الآباء على تعليم أبنائهم، وتواصل الأمهات صنع تفاصيل الحياة رغم قسوة الظروف. إن قدرة الإنسان على الصمود لا تعني أن المعاناة أصبحت مقبولة، بل تعكس تمسكه بحقه في الحياة الكريمة مهما اشتدت المحن.
إن مستقبل غزة لا يمكن أن يُبنى على الخيام، بل على إعادة الإعمار، وعودة الأسر إلى مساكن آمنة، وتوفير مقومات الحياة الأساسية التي تحفظ كرامة الإنسان. فالخيمة قد تكون حلًا مؤقتًا في أوقات الأزمات، لكنها لا ينبغي أن تتحول إلى قدر دائم.
ويبقى السؤال حاضرًا أمام ضمير العالم: إلى متى تبقى الخيمة عنوانًا للحياة في غزة؟ وإلى متى ينتظر الأطفال بيتًا ينامون فيه بأمان، ومدرسةً يعودون إليها، ومستقبلًا يشبه أحلامهم؟
إن الكرامة الإنسانية لا تُقاس بمساحة الخيمة، بل بحق الإنسان في الأمن والاستقرار والأمل. وسيظل هذا الحق مطلبًا مشروعًا لكل من يتطلع إلى غدٍ ينتهي فيه النزوح، وتعود فيه البيوت عامرة بأهلها، وتُطوى صفحة الألم لتبدأ صفحة جديدة من الحياة.



