غزة / شبكة الاخبار الفلسطينية
قالت الدكتورة ختام أبو عودة، خبيرة العلاقات الأسرية، إن الحرب لم تغيّر حياة الغزيين جراء القصف والقتل والجوع وغياب كل أوجه الحياة فقط، بل تعدّت الإبادة ذلك لتغيّر أنماط وأدوار الأطفال في المجتمع بأسره.
وتضيف أن عشرات الآلاف من الأطفال تحوّلوا من صغار يعتمدون على الأمان والرعاية إلى مناضلين صغار في مواجهة واقع وظروف قاسية، يتحملون مسؤوليات لا تناسب أعمارهم، ويُجبرون على التكيّف مع فقدان آبائهم أو أمهاتهم أو كليهما. منوّهةً أن هذا “النضج” لم يكن خيارهم بالمطلق، بل نتيجة قسرية لتطهير عرقي لم يفرّق بين طفل وبالغ، أو بين صبي وفتاة، وسرق منهم أبسط حقوقهم الحياتية.
وتتابع: “مع كل يوم يمر منذ انتهاء الحرب، تتآكل مساحة الطفولة بصمت، ليصبح التحمّل والواجب بديلًا عن اللعب، ويُكبت الخوف بدل التعبير عنه، بينما تتشكّل شخصياتهم على أساس الصمود القسري أكثر من الرغبة والطموح.”
توضّح أبو عودة أن ما يعيشه أطفال غزة اليوم هو نتيجة مباشرة لإبادة جماعية لم تفرّق بين رجل وامرأة، ولا بين طفل وجنين، إذ وجد آلاف الأطفال أنفسهم يعيشون أدوارًا تفوق أعمارهم ومقدراتهم النفسية والجسدية، في ظاهرة يصفها مختصون بـ”النضج القسري”.
وتشير إلى أن الصبيان في غزة باتوا يُدفَعون قسرًا إلى أدوار الحماية والإنفاق واتخاذ القرار، خصوصًا في ظل فقدان الآباء، مؤكدةً أن الطفل هنا “لا يختار الرجولة، بل تُفرض عليه”، فيُطالَب بالتماسك وكبت الخوف، ويُدرَّب اجتماعيًا على لغة القوة والصمت.
وتضيف أن اللعب يتحوّل إلى “ترف غير مسموح”، بينما يُكافأ الطفل كلما بدا أكثر صلابة وأقل تعبيرًا عن ضعفه.
هذا الضغط الاجتماعي، بحسبها، لا يصنع شخصية قوية بقدر ما يؤسس لنمط داخلي من القلق المكبوت والشعور الدائم بالواجب.
وعن تجربة البنات، توضّح أبو عودة أن النضج القسري يتخذ شكلًا مختلفًا، لكنه لا يقل قسوة؛ إذ وجدت الكثيرات منهن أنفسهن في موقع الأم البديلة: يرعين الإخوة، وينظّمن شؤون البيت، ويؤجلن احتياجاتهن العاطفية والشخصية.
وترى أن هذا التداخل بين الطفولة والأمومة القسرية يُنتج أنثى “تعتاد العطاء قبل أن تتعلم الأخذ”، ما يترك أثرًا طويل المدى على صورة الذات، وعلى فهم الأنوثة بوصفها تضحية دائمة لا خيارًا.
وتؤكد أن المجتمع، في كثير من الأحيان، يُضفي على هذا الدور طابعًا إيجابيًا، متجاهلًا الكلفة النفسية العميقة.
وتحذّر أبو عودة من أن أخطر ما في النضج القسري ليس ما يظهر على السطح، بل ما يُخزَّن داخليًا؛ فالطفل الذي يُحرَم من المساحة الآمنة للخطأ واللعب والتعلّم، ينمو وهو يشعر أن قيمته مرتبطة بقدرته على التحمّل لا بكونه طفلًا.
وتلفت إلى أن هذا المسار قد يؤدي إلى إنهاك نفسي مبكر، وشخصية قائمة على الواجب أكثر من الرغبة، وعلى تلبية الآخرين قبل فهم الذات. ترميمية لا مثالية وفي حديثها عن دور التربية في ظل واقع لا يمكن إيقافه، تميّز أبو عودة بين تعليم المسؤولية بوصفه قيمة تربوية، وتحميل العبء بوصفه انتهاكًا نفسيًا، مؤكدةً أن التربية في سياق الإبادة مطالبة بأن تكون ترميمية لا مثالية.
وترى أن دور الأسرة والنقاط التعليمية البديلة والمساحات المجتمعية يكمن في إتاحة لحظات “طفولة جزئية”، تسمح للطفل بالتعبير عن الخوف والحزن، لا مكافأته على الصمود الصامت فقط. فالسماح بالبكاء، واللعب، والقول “أنا متعب” هو في حد ذاته فعل حماية مطلوب.
وتختم أبو عودة بالتأكيد على أن ما يعيشه أطفال غزة ليس ظرفًا تربويًا استثنائيًا، بل نتيجة مباشرة لإبادة خلّفت آلاف الأيتام، بعضهم بلا أب أو أم، وبعضهم بلا الاثنين معًا.
وتشدد على أن هذا الواقع لا يصنع أطفالًا أقوى، بل أطفالًا أكبر من أعمارهم، يحملون ما لا يُفترض أن يحمله طفل؛ فالطفل الذي يكبر قبل أوانه لا يربح الوقت، بل “يخسر جزءًا من نفسه”.
وتؤكد أبو عودة أن حماية الطفولة اليوم تبدأ بالاعتراف بأن هذا النضج لم يكن خيارًا، بل ضرورة فرضها العنف وتداعيات الإبادة المتراكمة.



