عزة / شبكة الاخبار الفلسطينية
قبل اكثر من ستين سنة لم يدر في خلد أحد أن يتابع دراسته العليا في الرياضة، لأنّ الاهتمام كان على دراسة المهن التي تجلب الوجاهة، وتطعم العيش، مثل الطب والهندسة، والحقوق، والتربية، ولكن بسيسو ، وأبو سارة، ويونس، ومكاوي… وقليل غيرهم اختاروا هذا المسار الصعب، فأصبحوا رواداً اكاديميين في مجال الرياضة.
ومن هؤلاء الرواد المقدسي، الذي نشأ وترعرع في بيت لحم عمر موسى، حيث حصل هذا الفلسطيني العصامي على بكالوريوس في التربية الرياضية من جامعة الاسكندرية منتصف الستينات، قبل ان يعزز الأمر بشهادة أعلى من بلاد العم سام !
وفرض أبو موسى نفسه نجماً منذ الطفولة، فبرز في مدارس بيت لحم ، قبل أن يتألق في الدوري الأردني، ضمن النادي السرياني، والأرثوذكسي البجالي.
ويشهد القاصي والداني للرجل بدماثة الخلق ، وطيب المعشر ، والتمتع بالصفات القيادية ، التي تجمع بين الهدوء المطلق ، والصرامة اللامحدودة في العمل وتطبيق الأنظمة ، بما أهله للتألق في مجال العمل الجامعي، قائداً، ومربياً ، معداً لبناة الأجيال في الملاعب.
ورغم كون أبي موسى من المقلين في الحديث ، والذين يفضلون أن تسبق الاعمال الأقوال ، إلا أنّه استجاب لرغبتي في نبش الماضي التليد ، فكانت هذه المحطات من سيرته الرياضية المعتقة.
– اسمي عمر موسى خليل “أبو موسى” من مواليد قرية قالونيا قضاء القدس المهجرة يوم 12/8/1945 .
– الفضل في توجهي نحو كرة القدم يعود لمؤسسة السالزيان ببيت لحم ، التي أتاحت الفرصة لكثير من الأطفال، في التردد عليها ، وممارسة كرة القدم ، والكرة الطائرة، وتنس الطاولة، وكنت واحداً من الذين مارسوا هذه الألعاب ، في الفترة من 1952 حتى 1958، وكنت أحد لاعبي فريق كرة القدم ، في مدرسة المسعودي الابتدائية، قبل انتقالي إلى مدرسة بيت لحم الثانوية ، التي لعبت أيضاً لفريقها الكروي.
– وفي تلك الفترة برزت ظاهرة اشراك اللاعبين من المدارس مع الأندية ، رغم صغر سنهم ، والسبب أنّ كثيرا من معلمي الرياضة كانوا مدربين ، أو لاعبين في الأندية المعروفة.
– وفي الصف الأول الثانوي سنة 1963 انتسبت للنادي السرياني ، الذي كان مسجلا في الدرجة الثانية للدوري الأردنيّ ، وبقيت فيه حتى سنة 1964، حيث التحقت بالنادي الأرثوذكسي العربي بيت جالا ، الذي يلعب ضمن الدرجة الأولى، وشاركت في جميع مباريات الدوري الأردني ، لأنّ الفرق الأردنية – ومنها الفيصلي ، والجزيرة ، والأهلي – كانت تلعب مبارياتها على ملعب بيت جالا ، وكان أخي ناجي أبو موسى سبقني في الالتحاق بنادي بيت جالا عام 1960، وأصبح بعد ذلك حكماً معروفاً .
– بعد ذلك التحقت بكلية التربية الرياضة بالإسكندرية في الفترة من سنة 1965 حتى سنة 1970، وحصلت على بكالوريوس في التربية الرياضية… وأثناء وجودي في مصر شاركت في مباراة شباب فلسطين أمام الاتحاد السكندري ، التي انتهت بالتعادل هدف لهدف ، وأذكر من اللاعبين الذين شاركوا في تلك المباراة خضر قدادة ، الذي كان يلقب ببربز ، ومحمد حمادة ، وكلاهما سبق وشاركا منتخب فلسطين في الدورة العربية الرابعة بالقاهرة سنة 1965 ، وشارك معنا أيضاً عادل صالح لاعب الجزيرة الأردني، وحارس مرمى اتحاد نابلس سمير ملحس ، وحسين شختور ، وجابر عبد ربه.
– أمّا المباراة الثانية فجمعت فريق فلسطين ، بالنادي الأهلي المصري ، وأخذت هذه المباراة شهرتها ، لأنّ حارس المرمى فلسطين كان مروان كنفاني ، ولعب معنا أيضاّ مدافع الأهلي فؤاد أبو غيدا ، وشاركت في هذه المباراة إلى جانب اللاعبين خضر قدادة ، وخضر كرسوع ، ومحمد حمادة ، والمرحومين راسم يونس، وحسين شختور ، وكانت النتيجة 5/1 لصالح الأهلي ، وأذكر من لاعبي الأهلي يومها ميمي الشربيني ، ورفعت الفناجيلي .
– وفي الفترة من سنة 1970 حتى سنة 1985 عدت للعب مع نادي السريان ، ثم مع أرثوذكسي بيت جالا ، الذي بقيت فيه حتى تركت الملاعب سنة 1985 ، لأتفرغ للعمل الاداري الرياضي، والاكاديمي في جامعة بيت لحم حتى اليوم.
– في مسيرتي تدربت على يدّ مجموعة من المدربين ، وجميعهم من معلمي التربية الرياضة ، ومنهم الراحل جلال عقل ، ومحمد شتات ، وفي بيت جالا المعلم والمدرب والمربي المرحوم أمين زيت ، الذي أعتقد أنّه تميز بكلّ الصفات ، التي يجب أن يتحلى بها المدرب ، بالتركيز على المهارة ، واللياقة البدنية ، وخطط اللعب .
– أفضل تشكيلة لبيت جالا مطلع السبعينات كانت تضم الحارس خليل بطاح ط، وفي الدفاع سلامة المفدي، وخريستو الاعرج ، وسابا سابا ، وفي الوسط أمين زيت ، وعمر موسى ، وفي الهجوم حسين ظاهر ، وسامي أحمد ، وكارلوس برهم ، ورزق الشاعر ، وهذا الاختيار مبني كون خطط لعب بيت جالا ، كانت الطريقة البرازيلية 4-2-4 .
– لم يكن لي مثل أعلى في الملاعب ، ولكني كنت أحترم عارف عوفي ، والأخوان راسم يونس ، وحسني يونس في خط الوسط ، وموسى الطوباسي ، وحاتم صلاح في الهجوم ، وابو السباع ، وزكريا مهدي في الدفاع ، وأعتقد أنّ أبو السباع ، وزكريا مهدي من أفضل المدافعين الذين واجهتهم . .. وهناك أسماء كثيرة لهم كلّ الاحترام .
– أعتز بالمباراة التي لعبتها مع شباب الخليل ، كلاعب تعزيز أمام الحرس الملكي الأردني ، الذي كان بمثابة المنتخب الأردني ، وجرت المباراة على ملعب الحسين منتصف الستينات ، ولعب معي يومها كتعزيز نادر سرور ، وفايز عبد العال ، ونادي خوري ، وأمين زيت ، وحسين ظاهر ، وسلامة المفدي ، الذي انضم بعدها لشباب الخليل ، وانتهت المباراة بفوز الحرس ، ورغم ذلك سجلت للشباب هدفاً .
– أعتقد أنّ دراستي الاكاديمية في الرياضة ساعدتني في الوصول إلى المستوى الجيد ، وذلك بسبب الخبرة واللياقة ، لأنّ الدراسة كانت تركز عل الجوانب النظرية والعملية لجميع الرياضات .
– وأعتقد ان مفتاح اللعب لأيّ فريق هو خط الوسط ، ويجب على من يلعب في هذا الخط أن يتمتع باللياقة الجيدة ، والمهارة في التوزيع ، ولذلك كنت أنا والمرحوم أمين زيت نلعب باستمرار في خط الوسط ، وأعتقد أنّ من أهم أسباب نجاحي احترامي للزملاء ، وطاعتي العمياء للمدربين واللاعبين ، وقدرتي على مساعدتهم ، وذلك بسبب فارق السن بيني وبين اللاعبين الشباب .
– لم أعمل في التدريب ، مع أنّ مؤهلي الاكاديمي يسمح بذلك ، بالإضافة إلى أنني شاركت سنة 1987 في دورة تدريب كرة القدم ببريطانيا ، ولكن لم أعمل بها لعدم توفر الظروف المناسبة .
– أفضل نجوم دوري فلسطين في تلك الفترة ، في حراسة المرمى موسى العلمي ، وخليل بطاح ، وفي الدفاع المرحوم أبو السباع ، وزكريا مهدي ، ويوسف الدلياني ، ورجب شاهين ، والمرحوم فايز عبد العال ، وعبد الله الكرنز ، ومطيع طوقان ، وفي خطّ الوسط لا أعتقد أنّ هناك أفضل من عارف عوفي ، والراحل إبراهيم نجم ، والمرحوم ماجد ابو خالد ، وفي الهجوم موسى الطوباسي، وحاتم صلاح ، وموسى العباسي ، وناجي عجور ، وياسر صباح .. ولا أنسى شيخ اللاعبين ، الذي شارك فلسطين في عدة دورات المرحوم الأستاذ معمر بسيسو.. وأعتذر لمن لم يرد اسمه ، علما بأنّ الفترة التي ذكرتها كانت بين سنة 1971 حتى سنة 1985 .
– أهم إنجازاتي كانت على مستوي عملي المهني ، حيث حصلت على شهادة الماجستير من امريكا ، وعدت للعمل الاكاديمي ، وشاركت في تأسيس الاتحاد الرياضي الجامعي ، وكنت رئيساً له مدة أربع سنوات ، وشاركت في إعداد الكتب لوزارة التربية والتعليم ، في مادة التربية الرياضية ، وأنا الآن أعمل في التدريس بكلية التربية بجامعة بيت لحم .
– الإعلام الرياضي الفلسطيني يبالغ في إظهار الأمور أكثر من حقيقتها ، ودليل ذلك الفرق الكبير بين ما نقرأ عن الأنشطة في الإعلام ، وما نشاهد في الميدان .
– أقول لمن عايشتهم من الإداريين واللاعبين ، ممن توفاهم الله ، والذين ما زالوا أحياء : لقد أديتم رسالتكم ، وكنتم نعم الرياضيين ، لقد تعلم منكم الأفضل ، وجعلتم منا أبناء وزملاء ، وأصدقاء بسلوكيات كنا نشاهدها عندما يصاب زميل لنا في الملعب ، ونرى اهتمامكم أثناء وبعد المباريات في السؤال ، والزيارات ، وأذكر أنه اذا صادف عدم استطاعة لاعب او إداري الوصول الى بيته ، كان يذهب الى المبيت عند أكثر من زميل ، وستبقى هذه الذكريات في عقولنا ، لنذكر بها أبناءنا ولاعبينا ، لأن هذه هي الاهداف الأساسية للرياضة .
– كلاعبين كنا نُدعى إلى اجتماع قبل المباراة بيوم ، ويقوم المدرب بمناقشة خطة اللعب ، وكانت تنظم لنا محاضرات في خطط اللعب ، واصابات الملاعب ، وفي قانون اللعبة ، وكان الهدف منها تواجد اللاعبين معا ، وخلق حياة اجتماعية بين الادارة الرياضية واللاعبين ، حتى الأفلام الرياضية كانت تشاهد معا، ولا ابالغ اذا قلت اننا كنا نتواجد في الملعب قبل المدرب ، و كثير منا كانوا يذهبون إلى الملعب والعودة مشيا على الاقدام ، والنصيحة الأخيرة هي أنه يجب أن تسبق الأخلاق الرياضية المهارات واللياقة ونتيجة المباريات .
– من أطرف المواقف ، التي ما زلت أذكرها ، وأعتز بها في مباراة بين نادي السريان – الذي كنت أحد لاعبيه – ونادي سلوان على ملعب الشيخ جراح سنة 1970 ، كان حكم المباراة معلم رياضة من بيت جالا ، ويومها احتسب الحكم ضربة جزاء لصالح السريان ، فاعترض لاعبو سلوان والجمهور ، وبعد تدخل الإداريين تواصل اللعب بتثبيت ضربة الجزاء ، فقمت بضرب الكرة من نقطة الجزاء بعيدا عن المرمى ، وطبعا احتسبت ضربة مرمى ، ولحسن الحظ انتهت المباراة بدون أهداف ، وخرج الجميع مرتاحاً للنتيجة، وأعتقد أنّ المرحوم أحمد عديلة كتب بعدها “هذه هي الرياضة ” .
– أخيراً.. بعد 18 سنة من العمل الرياضي الفلسطيني، آن الأوان أن نقيم الرياضة الفلسطينية، والتعرف على جوانب القوة والضعف في ذلك، أسوة بما تقوم به جميع الدول في العالم من جميع جوانبها المدرسية والجامعية والعسكرية ، ورياضة المنافسات في جميع الألعاب.
** “مقال تم نشره هنا قبل ثلاثة اعوام”.



