غزة / شبكة الاخبار الفلسطينية
في زمنٍ كانت فيه الرياضة تُبنى بالإرادة أكثر مما تُبنى بالإمكانات، برز اسم المخضرم داود متولي كواحد من الرجال الذين صنعوا الفارق، وتركوا بصمة لا تُمحى في الذاكرة الرياضية الفلسطينية، رجلٌ عاش زمن الكبار، وتشرب من روحه قيم الانتماء والعطاء، ليمنح وطنه أكثر من ستين عاماً من العمل الدؤوب في مختلف ميادين الرياضة، لاعباً ومدرباً وحكماً وإدارياً، في مسيرة نادرة الشمول والثراء.
منذ بداياته، أدرك المتولي أن الرياضة ليست مجرد منافسة داخل الملعب، بل هي مشروع وطني متكامل، يحمل رسالة تربوية وثقافية واجتماعية… لذلك، لم يكتفِ بدور واحد، بل تنقل بين الأدوار كافة، واضعاً خبرته في خدمة الأجيال، ومؤمناً بأن بناء الإنسان الرياضي لا يقل أهمية عن تحقيق البطولات.
كان من أوائل المؤسسين لرابطة أندية الضفة الغربية في الزمن الجميل، في مرحلة كانت تحتاج إلى رجال يضعون الأسس الأولى لتنظيم العمل الرياضي، بعيداً عن العشوائية، وقريباً من روح المؤسسات، وقد ساهم من خلال هذا الدور في توحيد الجهود، وتعزيز التواصل بين الأندية، وخلق بيئة رياضية منظمة قادرة على الاستمرار والتطور.
وفي محطة مفصلية من مسيرته، أسس مع مجموعة من الرياضيين المخلصين نادي ثقافي البيرة، وتولى رئاسته، ليكون هذا النادي نموذجاً للمؤسسة التي تجمع بين الرياضة والثقافة، لم يكن النادي مجرد ساحة تدريب، بل مساحة لصناعة الوعي، وتخريج أجيال تحمل الفكر والهوية إلى جانب المهارة الرياضية.. ومن خلاله، ساهم متولي في رفد الساحة الرياضية الفلسطينية بالعديد من المواهب التي واصلت المسيرة.
ولأن الذاكرة الرياضية جزء لا يتجزأ من الهوية الوطنية، كان لمتولي دور بارز في حفظ هذا الإرث، من خلال توليه مسؤولية المتحف الرياضي الفلسطيني في اللجنة الأولمبية الفلسطينية، هناك، لم يكن مجرد إداري، بل حارساً للتاريخ، يوثق الإنجازات، ويجمع الشواهد، ويحكي للأجيال قصة رياضة وُلدت من رحم التحديات، كما برز كباحث في الألعاب الشعبية الفلسطينية وها هو كتابه الجديد يرى النور، مؤمناً بأن هذه الألعاب ليست مجرد ترفيه، بل تعبير أصيل عن الثقافة والهوية، وجسر يربط الماضي بالحاضر.
أما إنجازه الأبرز، فتمثل في إدخال رياضة المبارزة إلى فلسطين، في خطوة ريادية تعكس رؤيته المنفتحة على العالم. لم يكن إدخال اللعبة مجرد فكرة، بل مشروع متكامل، عمل على تأسيسه وتطويره، حتى أصبحت المبارزة حاضرة على الساحة الرياضية الفلسطينية، وتوج هذا الجهد بتوليه رئاسة الاتحاد، حيث قاد اللعبة نحو الانتشار، وساهم في إيصالها إلى المحافل الدولية، مثبتاً أن الرياضة الفلسطينية قادرة على المنافسة رغم كل الظروف.
ما يميز داود متولي ليس فقط تعدد إنجازاته، بل استمراريته وإخلاصه… ستة عقود من العمل المتواصل، لم تكن رحلة عابرة، بل مساراً من الالتزام والعطاء، عنوانه الإيمان بالرياضة كقيمة إنسانية ووطنية. لقد كان شاهداً على تحولات كثيرة، ومشاركاً في صناعتها، وركيزة أساسية في بناء المشهد الرياضي الفلسطيني.
اليوم، حين يُستذكر اسم داود متولي، لا يُستحضر فقط تاريخ رجل، بل تاريخ مرحلة كاملة من الكفاح الرياضي،، هو نموذج للرياضي الشامل، والإداري الواعي، والباحث الحريص على الهوية… مدرسة قائمة بذاتها، تؤكد أن الرياضة ليست مجرد نتائج، بل مسيرة حياة تُبنى بالصبر، وتُكتب بالعطاء، وتُخلّد بالإنجاز.
داود متولي.. “حكاية رجل عاش في زمن الكبار” ستة عقود في محراب الرياضة الفلسطينية وصانع إرث لا يُنسى…



