غزة / شبكة الاخبار الفلسطينية
ميشيل عصفور “أبو وهبة” الذي عاش في زمن الكبار في حرم جمعية الشبان المسيحية بالقدس على مدار 60 عاما لاعبا ومدربا وحكما ومديرا للدائرة الرياضية، ورئيسا للاتحاد الفلسطيني لكرة السلة ومؤسسا لملتقى الرواد المقدسي بجانب مسؤوليات ومهام مجتمعية اخرى.. الى الومضة:
في سجلّ الرواد الذين صنعوا ملامح الرياضة الفلسطينية، يبرز اسم ميشيل عصفور ” ابو وهبة” كأحد أعمدة الجيل الذهبي، ورمزٍ من رموز العطاء المتواصل الذي امتد لأكثر من ستة عقود، لم يكن مجرد لاعب عابر في تاريخ الرياضة، بل كان حالة متكاملة من الشغف، والالتزام، والرؤية، أسهمت في بناء الإنسان الرياضي والمؤسسة الرياضية على حد سواء.
منذ بداياته في جمعية الشبان المسيحية – القدس، بدأت ملامح الشخصية الرياضية لعصفور تتشكّل،، هناك، لم يكن مجرد لاعب، بل مشروع رياضي شامل، مارس العديد من الألعاب بروح الباحث عن التميز، فجمع بين المهارة البدنية والفهم العميق لقيمة الرياضة كرسالة مجتمعية ووطنية.
كانت الجمعية بمثابة المدرسة الأولى التي احتضنت موهبته، ومنحته المساحة ليصقل قدراته، ويؤسس لمسيرة طويلة من العطاء… تميّز “أبو وهبة” بكونه رياضياً متعدد المواهب، وهو ما جعله نموذجاً نادراً في زمن التخصص. فقد مارس عدة ألعاب، وترك بصمته في كل ميدان دخله، مستنداً إلى قاعدة صلبة اكتسبها في مدرسة بير زيت، حيث تعلّم رياضة الجمباز، تلك الرياضة التي أسهمت في بناء توازنه البدني والذهني، ومنحته مرونة وقدرة على التفوق في مختلف الأنشطة الرياضية التي خاضها لاحقاً.
لكن عصفور لم يكتفِ بدور اللاعب، بل انتقل إلى مرحلة أكثر تأثيراً، حين دخل ميدان العمل الإداري، واضعاً خبرته في خدمة تطوير الرياضة الفلسطينية، وكان من أبرز محطاته التاريخية توليه منصب أول رئيس للاتحاد الفلسطيني لكرة السلة، في مرحلة كانت فيها الرياضة الفلسطينية بأمسّ الحاجة إلى قيادات تمتلك الرؤية والإرادة، ومن خلال هذا الموقع، أسهم في تنظيم اللعبة، ووضع أسسها، وتعزيز حضورها محلياً وخارجياً، ليكون أحد الرواد الذين مهّدوا الطريق أمام كرة السلة الفلسطينية نحو الانطلاق.
ولأن الرياضة بالنسبة له لم تكن مجرد منافسة، بل ذاكرة وهوية، كان لعصفور دور مهم في الحفاظ على الإرث الرياضي، من خلال مساهمته في تأسيس ملتقى الرواد المقدسي، الذي شكّل مساحة لتجميع الخبرات، وتوثيق التاريخ الرياضي، وربط الأجيال الجديدة بجذورها، وقد عكس هذا الدور إيمانه العميق بأهمية الاستمرارية، ونقل التجربة، وعدم ترك التاريخ عرضة للنسيان. ينتمي ميشيل عصفور إلى الجيل الذهبي للرياضة الفلسطينية، ذلك الجيل الذي صنع الإنجاز في ظروف استثنائية، وواجه التحديات بالإصرار والعزيمة.
لم تكن الإمكانات متوفرة كما هي اليوم، لكن الإرادة كانت كفيلة بصناعة الفارق، وهو ما جسّده عصفور ورفاقه الذين حملوا على عاتقهم مسؤولية بناء الحركة الرياضية الفلسطينية، على مدار ستين عاماً، ظل عصفور وفياً للرياضة، حاضراً في ميادينها، شاهداً على تحوّلاتها، ومشاركاً في صياغة مراحلها المختلفة.
لم يبحث عن الأضواء، بل كان جزءاً من الضوء الذي أنار الطريق للآخرين… ترك إرثاً غنياً من العمل، والتجربة، والقيم التي ستبقى مصدر إلهام لكل من يسير على درب الرياضة في فلسطين.
إن الحديث عن ميشيل عصفور هو حديث عن مرحلة كاملة من تاريخ الرياضة الفلسطينية، عن زمن الرواد الذين زرعوا البذرة الأولى، وسقوها بالصبر والتضحية، حتى أصبحت شجرة باسقة. هو ليس مجرد اسم في قائمة، بل قصة وطن كتبتها الملاعب، وحفظتها الذاكرة، وستظل شاهدة على رجل أعطى الرياضة عمره، فمنحته الخلود في وجدانها.



