خالد القواسمي – فلسطين
في أريحا حيث النخيل يهمس بأسرار الزمن وتهب الريح كما لو تحمل قصص العصور ولد طفل ركض وراء كرة لا تصدر صوتا الا حين تضحك الشمس فوقها اسمه يحيى وعيناه تحملان ضوء الحلم قبل ان يعرف ان الحلم يمكن ان يصبح حقيقة.
كان الشارع ملعبه والتراب سجادة سحرية وكل حجر وكل غبار وكل ضحكة من اصدقائه كان جزءا من معركة صغيرة مع الارض والسماء والده رجل يزرع في قلبه الولاء للهلال كان الرفيق الاول في كل رحلة يرافقه وشقيقه محمد الى الملاعب كأنه يفتح امامهما بوابات الزمن ليشهدوا ان اللعبة ليست مجرد كرة بل نبض في قلب المدينة.
الملعب كعالم سحري
تدرج يحيى بين براعم الهلال واشباله وناشئيه يتعلم اسرار اللعبة من الراحل الكابتن جمعة عطية ومن مدربين اشبه بالسحرة الذين جعلوا الكرة تتحدث وتروي الحكايات قبل ان تصل الى القدم أصبح الملعب بالنسبة له فضاء يتلو فيه الشعر ومكانا ينسج فيه الفرص كما ينسج العصفور عشه بين الاغصان.
في التسعينيات صار يحيى قلب الهلال النابض خط الوسط الذي يتحرك كنسيم يرى خطوط اللعب قبل ان تراها العين يصنع من الهواء تمريرات ومن الصمت اهداف المباريات الكبيرة كانت مرايا روحه وكل هدف كان اغنية وكل لمسة للكرة كانت قصيدة.
الجرح كمعلم
الاصابة بالرباط الصليبي كانت كفصل مظلم في كتابه لكن الظلام لم يطفئ الضوء بداخله انتفاضة الارض اخذت سنوات من عمره الرياضي لكنها لم تسرق عزيمته وهكذا تعلم ان الالم هو لغة الحياة وان الفشل هو حجر اساس للصعود وان كل سقوط هو مجرد مرحلة في قصة لم تنته بعد.
من اللاعب الى الساحر
حين ترك اللعب لم يترك الملعب أصبح مدربا لكنه لم يكن مدربا عاديا بل ساحرا يروي الحكايات بلا كلمات يخلق من لاعبين شباب ابطال ويزرع فيهم حلمه القديم الذي يبدأ دائما في التراب والحارات وينتهي في اضواء الملاعب الكبيرة قاد هلال اريحا واندية اخرى ومنتخب فلسطين للناشئين كأنه يصنع من كل فريق قصيدة منفردة ويثبت ان اللعبة هي أكثر من قوانين هي قصة تحكى بالقدم والعقل والروح.
الانجاز كحلم حي
صعود هلال اريحا الى دوري المحترفين لم يكن مجرد لقب بل حلقة في سلسلة اساطيره التأهل حديثا لدوري الدرجة الثانية لم يكن نتيجة بل حلم الجماهير المستيقظ بعد سبات طويل كل هدف كل فوز كان شعاع ضوء جديد في نفق الانتظار وكل مباراة كانت جرسا يوقظ المدينة من خدرها الطويل.
العلم والخيال
يحمل يحيى الشهادات الاسيوية وشهادات الفيفا واللياقة البدنية لكنه لم يحملها ليكون مجرد مدرب بل ليصبح صانع عوالم العقل واليد والقدم والروح كلها جزء من نسيج واحد ينسج على ارض الملعب قصصا يرويها الزمان.
ظل خالد
يحيى عاصي ليس مجرد لاعب او مدرب بل ظل طويل ممتد على ارض فلسطين الرجل الذي يمشي بيننا بصمت لكنه يترك وراءه اثر الريح والشمس والتراب يركض بين الحلم والواقع يكتب تاريخا بلا نهاية ويده مملوءة بالشغف والاخلاص الرجل الذي كلما لمس الكرة جعلها تحكي قصة مدينة حلم وطموح لا ينتهي.



