صحاب الأرض… الفن كفعل مقاومة وذاكرة لا تُهزم
بقلم: عصام الحلبي
في كل مرة تتصاعد فيها صور العدوان على فلسطين، يعود السؤال ذاته، ماذا يبقى من الإنسان وسط هذا الركام؟ بين نشرات الأخبار المتلاحقة، والأرقام التي تكبر بلا ملامح تضيع الحكايات الصغيرة التي تشبه الناس حقًا. هنا يتقدم الفن، لا ليجادل في السياسة بقدر ما يذكّر بأن خلف كل رقم حياة كاملة، وأن ما يجري ليس مجرد حدث عابر، بل واقع يطال شعبًا بأكمله ويختبر ضمير العالم.
في هذا السياق يأتي مسلسل “صحاب الأرض” بوصفه محاولة درامية للاقتراب من الجرح الفلسطيني المفتوح، لا من زاوية الحدث العسكري المجرد، بل من زاوية الإنسان الذي يعيش تحت القصف ويواجه فقدان الأمان بوصفه قدرًا يوميًا. العمل الذي كتبه عمار صبري وشارك في تطويره محمد هشام عبية وأخرجه بيتر ميمي ينطلق من فرضية واضحة مفادها أن الحروب لا تُختزل في خرائط وتحليلات سياسية، بل في وجوه وأسماء وقصص شخصية تتشكل داخل البيوت والمستشفيات وأماكن النزوح.
من خلال حكاية الطبيبة التي تدخل غزة ضمن مهمة إنسانية، وتقاطعاتها مع عائلات فلسطينية تكابد الخوف والفقد، يضع المسلسل المشاهد أمام الأثر المباشر للعمليات العسكرية على المدنيين. هنا لا يُقدَّم القصف كخبر عاجل، بل كفعل يطال الجسد والذاكرة معًا، انقطاع الكهرباء في مستشفى ليس تفصيلًا تقنيًا بل تهديدًا لحياة مريض، ودمار منزل ليس صورة درامية بل اقتلاع لعائلة من تاريخها وذاكرتها الشخصية.
بهذا المعنى، يسهم العمل في إبراز الطابع الإجرامي للاعتداءات الاسرائيلية حين تقع على المدنيين، لأن الكاميرا تلاحق نتائجها الإنسانية ، فتتحول المعاناة إلى شهادة بصرية تضع المشاهد في موقع المساءلة الأخلاقية. وإذا كان التوثيق في معناه التقليدي يقوم على الأرقام والتقارير القانونية، فإن الفن يقدّم نوعًا آخر من التوثيق يقوم على تثبيت التجربة في الوجدان الجمعي. فالخبر يتبدل مع دورة النشرات، أما المشهد الدرامي فيبقى عالقًا في الذاكرة، يعيد إنتاج الحدث بوصفه تجربة شعورية قابلة للاستدعاء في كل لحظة.
من هنا تتجاوز قيمة “صحاب الأرض” حدود الترفيه لتلامس وظيفة ثقافية أعمق، إذ يساهم في تكوين سردية إنسانية للحظة تاريخية ما زالت تتشكل. إن تحويل الألم إلى حكاية متماسكة يمنع ذوبانه في ضجيج اليومي، ويمنحه استمرارية في الوعي العام.
تلعب الأعمال الفنية والأدبية في مثل هذه السياقات دورًا محوريًا في تشكيل الرأي العام الجمعي، لأنها تخاطب الوجدان قبل العقل، وتعيد إنسنة الضحية في مواجهة محاولات اختزالها في أرقام أو توصيفات سياسية مجردة. حين يتماهى الجمهور مع شخصية تبحث عن طفلها أو طبيب يحاول إنقاذ حياة وسط نقص الإمكانات، فإنه لا يتلقى معلومة فحسب، بل يختبر شعورًا قد يتحول إلى موقف أخلاقي. هذا التحول من المعرفة إلى التعاطف، ومن التعاطف إلى الوعي، هو المسار الذي يجعل الفن عنصرًا فاعلًا في البيئة الثقافية والسياسية المحيطة بالقضية الفلسطينية.
لا يدّعي المسلسل أنه وثيقة قانونية، ولا يحل محل تقارير المنظمات الحقوقية، لكنه يضيف بعدًا لا تستطيع الوثيقة الرسمية أن تؤديه، وهو بعد الذاكرة الحية. فالفن حين ينحاز للإنسان الواقع تحت العدوان، لا يرفع شعارًا بقدر ما يثبت رواية، ولا يصدر حكمًا بقدر ما يضع صورة أمام الضمير العام. وفي زمن تتنازع فيه السرديات وتتنافس الروايات، يصبح للعمل الدرامي دور في حماية القصة الإنسانية من التلاشي، وفي ترسيخ إدراك جمعي بأن ما جرى في فلسطين ليس حدثًا عابرًا، بل تجربة إنسانية كبرى بما تحمل من أحداث أليمة تستحق أن تُروى وتُحفظ وتُفهم.


