جريده السفير اللبنانيه
القرار الأخير
فاروق عبد القادر
التاريخ: 1996-07-05
أربع وعشرون قصة قصيرة من حصاد نهاية الثمانينيات والتسعينيات (بدأ نجيب نشر هذه القصص في 1988)، تبدأ مثلما تبدأ الحياة ذاتها في »المهد«: قصة عذبة تستعيد جنة الطفولة، هربù من »حومة الهموم«، والتماسù للراحة في تذكر كل ما كان يفرح القلب الصغير من البيت إلى الحارة الى شوارع الحي العتيق والقاهرة الجديدة، للصبي الصغير في كل مكان نشوة ومتعة، يروح يعيدها لنا، يستدعيها من ذاكرة يقظة، لقد كان طفلاً سعيدù، يلقى الحب والإعزاز من الجميع (نعرف أن الكاتب كان أصغر إخوته، وأن فارق السن بينه ومن يكبره كان واسعù، لنا أن نفترض أنه كان يحظى بهذا التدليل ذاته، وأنه عاش طفولة سعيدة، وفي نهايتها يكتب: »هي فترة قصيرة ولكنها تحمل أجنة احتمالات تعد، تشهد مولد الأسئلة الخالدة، والحب والجنس والصداقة والقيم والحياة والموت.. ألحان أساسية تنمو وتتنوع مع العمر..«. نعم. إنما في الفترة قبل المدرسة تتفتح الإمكانات الخبيئة، وترسى دعائم »نمط الاستجابة« الذي سيكون عليه هذا الطفل شابù ورجلاً وكهلاً شيخù (يمكنك أن تتابع هذا الطفل وقد عرف طريقه إلى المدرسة في الجزء الأول من الثلاثية »بين القصرين، 56«). ومن قصص الطفولة أيضا تلك القصة العذبة »اليمامة«. يمامة تحط على غصن، والولد يطاردها »لا فكرة لديَّ عن صيد اليمام، ولا تركن إلا الحب..«، لكن صاحبته لاهية عنه، تطير من مكان إلى مكان، والصبي يتابعها ركضù، لا يبالي أن تصدمه عربة أو يتعثر في حفرة. واليمامة تمعن في لا مبالاتها، والولد يناجيها ويتوسل إليها: »اهبطي.. لا تخافي.. عندي الأمان كل الأمان.. عندما أذهب إلى الكتَّاب أودعك سريري الصغير«، وأخيرù تنتهي المطاردة العابثة بأن يقع الصبي في حفرة.. »انهض مسرعù متوجعù والدم ينز في ركبتي، يمزقني ألم قاس فأفحم في البكاء كالأطفال، ولكني أنظر من خلال الدموع إلى أعلى.. وتجول عيناي في الفضاء فلا أرى أثرù لمحبوبتي الهاربة. أنتبه الى ما حولي فألمس العتمة في الخلاء المحدق بالمدينة..«. إلى جانب الطفولة واستدعاء ذكرياتها، ثمة ظاهرة تلفت النظر في هذه المجموعة هي الفساد الذي ساد فشمل كل شيء. لم يعد الأمر أمر أفراد فاسدين هنا أو هناك يدارون فسادهم ويتسترون به، لكنه أصبح مؤسسات قوية باطشة، تستند في قيامها إلى مناخ يشيع الفساد يشجع عليه، ونستمد قوتها من شيوعها، حتى أصبحت هي القاعدة والسائدة، وما سواها استثناء وشذوذ. في أكثر من قصة يتلمس الكاتب مختلف سبل الحديث عن هذا الفساد: الدخل المحدود في قصة »ذوو الدخل المحدود« نقرأ: »دهمنا الانفتاح كالطوفان. أناس طفوا فوق سطح الماء الهادر وآخرون مضوا يغطسون نحو القاع، بادئ الأمر فرحنا لانهزام الانغلاق، قلنا: ولّت أيام الحصول على علبة ثقاب بالطابور والبطاقة وتسول الأدوية من المحسنين، ولكن رويدù رويدù تحرك القلق جارù وراءه الخوف، وأخذت تكاليف الحياة تتجهم وتكشف عن أنيابها، ولأول مرة عرفت اسم طبقتي الجديد في العهد الجديد، »وهي ذوو الدخل المحدود«، قبل ذلك دعينا بالبورجوازية أو الطبقة الوسطى، وقالوا عنا إننا العقبة الكؤود في طريق البروليتاريا المبشرة بالغد. اليوم البروليتاريا تصعد، وذوو الدخل المحدود يرددون في نفس واحد: عشانا عليك يا رب!..«. يتحدث الراوي بهذا الحديث وهو يلاحظ اختفاء محلات الحلاقين وأصحاب المكتبات وماسحي الأحذية ومن إليهم، كي تحل محلهم محلات الأحذية والمطاعم والبوتيكات! وعن الفساد أيضù هاتان القصتان اللتان يصحبنا فيهما نجيب محفوظ إلى عالم الشياطين والأبالسة جعل ا” كلامه خفيفù عليهم. في الأولى مؤامرة »يشكو السيد إبليس وأعوانه من البطالة، لم يعد أحد بحاجة إليهم، وهم يفشلون في إغواء قلة ذات صلابة ضد الفساد، يقول لهم كبيرهم: »أنا نفسي منيت بالفشل، ولكن لا شيء يدعو لليأس، فالمسألة أنه إذا وجدت قلة صالحة في محيط من الفساد فلا بد أن تكون على درجة من المناعة يتعذر غزوها، فلندعم في سجنهم الاختياري، ولنلتفت الى الفاسدين..«. فيحذره أحد أعوانه بأن هؤلاء ليسوا بحاجة إلى إغواء.. »إنهم يسبقوننا إلى السقوط قبل أن تبدر منا حركة واحدة..«، وذلك صميم أزمتهم: ان الشر لم يعد بحاجة إليهم، ومن ثم يقترح كبيرهم أن يغيروا خططهم من الأساس: عليهم من الآن أن يرتدوا أردية التقوى ويسيروا في الأسواق لإيقاظ الضمائر، فإذا كثر الصالحون اتسع أمامهم مجال الإغواء من جديد، وبعد حين جمعهم، فحكى كل حكاية عن رجال ونساء فاسدين نجحوا في تحويلهم الى الهداية..« وتتابعت الحكايات عن تجار المخدرات والمدمنين والمهربين والعملاء ووحوش الغلاء والارهابيين والمتطرفين واللصوص وقطاع الطرق..«، واقترح تابع متحمس للقيام بجولاته بين المسؤولين، فجاءه جواب السيد: »اسكت يا قصير النظر. ان اقتراحك يفضي بنا الى خلق مجتمع صالح ومناخ نقي يتعذر علينا فيه إغواء أحد من البشر إلا بطلوع الروح، لنترك القلة الصالحة في صراعها مع الكثرة الفاسدة..«، وهكذا لا ينهي القاص قصته قبل أن يشير الى مكمن الداء: انهم المسؤولون الذين يشيعون الفساد، وهم الذين يقومون على حمايته! الثانية هي »الرجل الوحيد«، يرويها لنا إبليس نفسه أنعم به وأكرم يقول: »غمرتني الدهشة ولفَّتني الحيرة مذ تناهى اليَّ أنه يوجد رجل شريف في بلدكم رغم كل ما قيل ويقال. وتفاديù من سوء الفهم أصارحكم بأنه لا فضل لي البتة في تفجر طوفان الشر الذي أغرق الجميع تكفلت بذلك كله. بدع جديدة لم تخطر ببالي. شهدت الناس جميعù يندفعون بجنون نحو الهاوية، ويتساقطون جماعات وطوائف من دون أن تنبس شفتاي بكلمة. انغمس الجميع في الوحل وأنا أنظر مبهوتù مذهولاً.. ما هذا الذي يجري؟ من أين جاء هذا الفساد كله؟..«. أما الرجل الشريف فهو قاض يحسن عمله ويتفانى في أدائه، يسكن بيتù قديمù، يبث روح العمل والتقشف في أولاده، والبيت كله تغلفه البساطة القصوى في المظهر والملبس والطعام، والزوجة تتصبر وتتشكى، والرجل يقول لها: »مرتبي كله بين يديك، ولا أستطيع أن أحوِّل المعادن الخسيسة الى ذهب، ولا أسأل عن الغلاء الضاري، وأخيرù فإني أعيش في رحاب ا”، وأصون ذاتي عن التلف حتى النفس الأخير..«، رجل تحيط به المغريات من كل جانب، وهو يعرف أن الجميع لصوص، كما يعرف أن ما يعيشه من عناء هو نصيب الشرفاء في هذا الواقع الجهنمي، فمن أين يتسلل إليه إبليس؟ إن من يريد اقتحام حصن عليه أن يبحث عن موضع ضعيف في سوره، من هنا فكّر إبليس في أن يتجاوز الرجل إلى أبنائه، فيحضهم على التطلع والتمرد، غير أن فتورا أصابه، وصُدَّت نفسه: »ما لذتي في معركة النصر فيها جالب للسخرية والهزيمة محققه للعار؟ (…) سأتركك يا سيد محمد لشأنك وظروفك أنت وأسرتك المعذبة، لست سعيدا فتحسد ولا أنت متحد فتستفز. لا أحد يحبك. لا أحد يعطف عليك. يضمرون لك الشر، يبيتون لك أسوأ النوايا..«. بعبارة قصيرة: ذلك قدر الشرفاء في واقع يسوده الفساد حتى يصبح قانونه غير المكتوب! ويمكنك أن تجد إحصاءً لكل وجوه الفساد في »الرجل القوي«. هذا الرجل الذي وهب قوة خارقة لأن يقول للشيء »كن« فيكون، فيضع لنفسه قائمة، ويرسم خطة شاملة للاصلاح: المصالح الحكومية وكر البيروقراطية، مراكز الانتاج والخدمات، مجلس الشعب، السجون وما يقال عنها، الصحف الأسواق، الأحزاب، المدارس، الجامعات… الخ. أصداء الذات وثمة أكثر من قصة تحيلنا على »أصداء السيرة الذاتية« سواء من حيث الشكل أو المضمون. القصة الأخيرة في المجموعة »لقاء خاطف« في أقل من صفحة واحدة: الراوي يهبط سلم عمارة كبيرة متجهù نحو الطريق، يعترض فتى في الثلاثين، ويمد يده للسلام عليه، والراوي لا يعرفه: »قال برقة: أنا محمد بن زينب صفوت. غزتني فرحة طاغية كادت تهتك ستر الماضي العذب، وتلقيت سيلاً من الذكريات الناعمة، وهتفت: أهلاً بك.. فرصة سعيدة حقù. وفارقني كما فارقته، ولكن لم تفارقني الذكريات«. ألست تجد مكانها الملائم في »الأصداء«؟ هي ذكرى قديمة، شأن كثير من مقطوعاته »الأصداء«، من ناحية، ثم هي موجزة مركزة ذات نهاية غير متوقعة، من الناحية الأخرى. الثانية نجد ذات القصة وقد صاغها الكاتب مرتين: هي في المجموعة تحمل عنوان »عودة القرين«، وفي »الأصداء« بعنوان »العقاب«: شريكان ارتكبا جريمة قتل حصلا بعدها على المال، نجح الراوي في استثماره حتى أصبح واحدù من النخبة، لكن شريكه القديم يظهر له بعد سنوات طويلة ليمارس عليه الابتزاز، فقد أفلس وهو يريد أن يبدأ من جديد ويرضخ الرجل مرة، لكنه لا ينوي الخضوع بعد. أسرته البريئة هي ما تعنيه، حتى لو كان الانتحار هو الحل، لعل المقارنة بين الصياغتين تزيدنا فهما للطريقة التي صاغ بها نجيب مقطوعات »الأصداء«: إنه ببساطة قد استبعد كل التفاصيل الخاصة بحياة الراوي (»عودة القرين« تُروى بالضمير الثالث) وأسرته السعيدة، وتفاصيل لقائه بشريكه، وركز الأحداث وكثفها، وترك للقارئ مساحات بيضاء، أما في »عودة القرين«، فأسهب في التفصيل: »حدث قلبه أن اللعبة ستكرر، وأن الابتزاز لن يقف عند حد. الماضي لا يموت. قد شيّد قصرù من الرمال على أرض من السراب، ولكن الأسرة البريئة التي كونها لا يجوز أن يمسها سوء. فليقتله إن ضيّق عليه. ولينتحر بعد ذلك. ان الجثة التي ووريت في تراب الخلاء تهب الآن للتنكيل بقاتليها… الخ«. وثمة قصتان كذلك لا يستقيم فهمهما إلا على نحو رمزي خالص: في »مسافر بحقيبة يده« رجل يخرج في الصباح الباكر مع زوجته وابنيه، الزوجة تقود سيارة، فتوصل الولدين الى المدرسة، ثم تمضي بالرجل الى الصيدلية والبنك قبل أن توصله الى المحطة، فهو مسافر لعمل يستغرق يومù أو اثنين. في المحطة يرى امرأة كانت له معها حكاية أيام الشباب، لكن ما يدهشه أكثر هو حشد المودعين الذين جاؤوا لوداعه، كيف عرفوا ولماذا جاءوا؟ إن هي إلا سفرة عمل قصيرة اعتاد أن يقوم بمثلها كثيرù من دون أن يودعه أحد. ولا تنتهي دهشته، فقد تبين له أنه وحيد في عربة القطار.. »لم يحدث ان قام القطار وبه مقعد واحد خال.. ماذا حصل في الدنيا؟. (..) وتحرك القطار. انساب على مهل مفارقù المحطة والمودعين، وأخذت السرعة تزداد، والإيقاعات الرتيبة تهتز بلا انقطاع، سيجد وقتù لتأمل ما مرّ به وفهمه، وتنهد متسائلاً، ما معنى هذا كله؟..«. ليس له سوى معنى واحد، إنها رحلته الأخيرة، إنه الموت. وقد كان »البهو« يغص دائمù بالأصدقاء، وبما لذَّ من طعام وشراب وسماع، وبمضي الأيام يتناقص العدد حتى فرغ البهو تمامù ولم يعد يجيء رجل ولا امرأة. يقول الراوي: »وعطف عليَّ ذلك الذي يقيم في داخلي، فسألني: هل أخبرك بالحقيقة؟ (…) قُبض عليهم جميعù.. الحارس يؤدي واجبه…«، صحيح إنهم مختلفون، لكن هذا الحارس لا يبالي بالفوارق، ولن يفرج عن أحد منهم. ثم همس في أذنه إنهم يتحرون عنه. نعم«. ومضى يعد حقيبته، وهو يحدثنا عن هذا الحارس الذي قال يومù في حديث صحافي: »عملي يتسم بالعدل المطلق. انني أنفذ قانونù كامل عدل…«. وها هو الراوي يقف وراء زجاج النافذة يترقب قدومه الوشيك، وهل يمكن أن يكون سوى الموت؟ لكن الموت ليس هو سبيل الخلاص الوحيد. ثمة أيضù فقدان الذاكرة: في »لحظة عابرة« يطلب الرجل إلى الراوي أن يتحرر الناس من سجنهم، ويتخلصوا من تلك القمامة التي يسمونها العقل، ويلتمسوا النور الحقيقي، فيحدث الراوي نفسه: »ترى.. ألم ينتبه إلى الأحداث التي عاصرها؟ الحروب، المآسي، العلاقة والديون، الفساد؟ تذكرت الأجيال، من اعتُقل، ومن شُنق، ومن هاجر، ومن فسد، ومن يتعذب. تذكرت ضحايا الأزمات القلبية والانفجارات المخية، كان الأفضل أن يهيموا في النور والملكوت؟ (..) قلت لنفسي: إنه الحي الميت أو الميت الحي، ورغما عني عقدت مقارنة بين غيبوبته السعيدة وأرقي المرهق، أفسدته للحظة عابرة..«. وفي »الحزن له أجنحة« رجل فقد وهو في خريف العمر زوجته المحبة التي وجد في كنفها راحة لم يعرفها أبدù، ثم تبعتها ابنته الشابة، وأخيرù ابنه الشاب. حزن طويلاً لفقد الأولى، وحين تكاثفت الأحزان طرد بعضها بعضù، وانقلب الرجل سعيدù. ها هو يقول الراوي: »تضاربت الأحزان وهلكت جميعù.. (..) صدقني، لا شيء يستحق الحزن. أنا الآن مثل طير لا تربطه علاقة بالأرض. إني أيضù أتذوق الطعام وأحبه، وأسمع الأغاني الحلوة حتى الثمالة«. لقد استقر في قاع اللامبالاة، قاع اللاعلاقة، وسقط تمامù في هوة العدم، وكان هذا سبيله للخلاص! تلك أهم الملامح في »القرار الأخير«. خبرات حياة يمكننا إذن أن نلقي نظرة شاملة الى إبداع نجيب محفوظ نهاية الثمانينيات والتسعينيات: إن الكاتب الكبير يستقطر لقارئه خبرات حياته الطويلة، يصفيها، ويقطِّرها، ويكتفها ويركزها، في بلورات صغيرة مضيئة. ولا تزال ملاحقة الواقع وتحولاته عذابه وعزاءه، ولأن ما يبلغه من هذا الواقع أصبح محدودù بالضرورة، فهو يمسح من معين الداخل: الذكريات والرؤى والأحلام. وأهم ملامح الواقع كما تتبدى في هذه الأعمال هو الفساد الشامل الذي أحاط بكل شيء (وهو فساد لا دخل للشياطين والأبالسة بحدوثه، بل هو بما كسبت أيدينا، فاسدين وصامتين)، ولا حيلة للصغار أبطال قصصي القصيرة بامتياز سوى محاولة التواؤم معه، والإفادة منه، وتوقي شروره. فإن عجزوا فوسائل الخلاص عديدة: الموت وفقدان الذاكرة والعيش في عالم خاص من الهذيانات والهلاوس. ورغم قلة ما يترامى إليه من هذا الواقع، فلا يزال الرجل قادرù على تسمع نبض الناس الصغار، ضحايا هذا الواقع قبل أن يكونوا صانعيه، المتخبطين في مساره، والكاتب منهم، مشارك لهم، متعاطف معهم، يقول عنهم: »ما حدث قد حدث. ولكن: ماذا عما لم يحدث بعد؟…«، قلق متوجس؟ نعم. يرى الطرق ملأى بالعقبات والمصاعب؟ نعم، لكنه لا يتخلى أبدù عن الأمل، و»السيد القادم« لا بد أن يجيء، صحيح إن الجميع ظلوا في انتظاره حتى داخلهم اليأس، لكن عاود الاتصال، فلعله يأتي في »المرة القادمة«. ولا يكتفي الكاتب العظيم بزرع الأمل، لكنه يقدم تلك الصياغات المقطرة والمكثفة لحكمة الحياة: يراها مدرسة ليس أمام من يدخلها سوى الاجتهاد والكفاح والصبر«، يراها رحلة مليئة بالأفراح والأحزان بالانتصار والانكسار، موشاة بالضحكات والدموع، على أديمها تلتقي التناقضات تتعايش وتتحايث، نصارعها وتصارعنا، وأسلحتنا متعددة في هذا الصراع. على رأسها الارادة والمعرفة والعمل وبذل الجهد ومكابدة المشقة، ثم طي النفس على »تقبل قوانين الأشياء«، والإيمان بأن لكل مرحلة من مراحل العمر مسراتها، وأن النهاية حين تأتي فهي لا تعني أكثر من الانتقال من عالم لآخر: »مكان وليس بمكان، ضوء وليس بضوء، ألوان وليست بألوان، أشجار وليست بأشجار، بيوت وليست ببيوت، أرضه وسماؤه مغطاة بالسحب، مترام بلا حدود، بيوت من السحب أيضا ممتدة في صفوف متوازية، تفصل بينها مسافات شاسعة، ويغمره ضوء ثابت هادئ جديد حينا، فلا هو شفق ولا هو غسق..«. إنما هكذا رأى العالم الآخر أحد أبطال قصص نهاية الثمانينيات. ويكتسب وجه الكاتب الكبير في مجمل هذه الأعمال شفافية وعذوبة، ناتجين عن المسافة التي ينظر منها إلى ما يحدث، ويسلكه في عداد ما رأى وعرف ورأى، ويصوغه لنا في هدوء وحكمة من عاش وأراد وعمل وكابد وحقق وأنجز، فحق له أن يتأمل ويستوصي ويستقطر ويصوغ. إن شئت عبارة موجزة عن تلك الأعمال أمكنك القول إن الأستاذ نجيب لا يزال قادرù على الإبداع، وعلى أن يأخذ عمله كما كان دائمù مأخذ الجد الكامل: رسالة الحياة ومعنى الوجود.

