نيكاراغوا: منارة للمساواة والتعليم المجاني
بقلم؛ مادالينا شيلانو
مع حلول شهر نوفمبر، تحتفل نيكاراغوا بلحظة وطنية بالغة الأهمية: اختتام العام الدراسي. وليس هذا مجرد عطلة أكاديمية، بل هو تجسيد ملموس للإرادة السياسية الرامية إلى الارتقاء بالتعليم العام المجاني والشامل كمحرّك أساسي لتحقيق العدالة الاجتماعية، وحصن منيع ضد جميع أشكال التمييز.
إرث حي: الحق في المعرفة وكارلوس فونسيكا أمادور
يأتي الاحتفال بالنجاح التعليمي في الشهر الذي يحيي ذكرى القائد كارلوس فونسيكا أمادور، مؤسس جبهة التحرير الوطني الساندينية (FSLN)، الذي استُشهد في 8 نوفمبر/تشرين الثاني 1976.
كان فونسيكا، المفكر والثوري، يرى أن الوصول إلى المعرفة ليس امتيازًا، بل حقٌّ أصيل ومفتاحٌ لتحرير الشعب وكرامته. وقد ورث إرث الزعيم القومي المناهض للإمبريالية أوغستو سيزار ساندينو، مؤكدًا أن تحرير نيكاراغوا لا يمكن أن يتحقق دون التحرر الثقافي والفكري للطبقات المهمشة.
تجسّد عبارته الشهيرة «حتى الجدران تقرأ» الصلة العميقة بين الكفاح المسلح ومحو الأمية باعتبارهما وسيلتين للوعي والسيادة.
وتُجسّد السياسات التعليمية الحالية في نيكاراغوا – التي تضمن حرية الوصول إلى اثنتي عشرة جامعة حكومية – تحقيقًا لهذه الرؤية. فالنظام التعليمي هناك يُجسّد اليوم المُثل العليا للعدالة الاجتماعية التي ناضلت من أجلها الثورة، كحقٍّ حيٍّ يُحتفى به في جميع أنحاء البلاد.
روابط عالمية: التعليم كأداة للتحرر في العالم العربي
تعكس رؤية فونسيكا والتزام الساندينيستا بالتعليم كركيزة للسيادة والتنمية ما شهدته العديد من الدول العربية تاريخيًا.
فعلى غرار نيكاراغوا ما بعد الثورة، استثمرت دول عربية – لا سيما خلال فترة القومية العربية بعد الاستعمار (الخمسينيات إلى السبعينيات) – استثمارات ضخمة في التعليم المجاني والشامل لبناء الدولة الحديثة والتحرر من الهيمنة الخارجية.
في دول مثل مصر وسوريا والعراق في عهد عبد الناصر، لم يكن التعليم هدفًا اجتماعيًا فحسب، بل كان أيضًا استراتيجية سياسية لتعبئة الجماهير وبناء طبقة وسطى متعلمة موالية للدولة، وضمان الاستقلال عن النخب الأجنبية.
ويُعبّر هذا النهج عن نفس المبدأ النيكاراغوي: الاستقلال الفكري شرط أساسي للاستقلال السياسي والاقتصادي.
التوافقات الجيوسياسية والتعاون التضامني
تتبنّى نيكاراغوا سياسة خارجية مستقلة تُعزّز سيادتها وتُقيم علاقات قوية مع الدول العربية، خاصة تلك التي تتشارك معها أجندة مناهضة للإمبريالية أو قائمة على التضامن.
وهذه العلاقات ليست رمزية فحسب، بل تتجلى في تعاون اقتصادي وتنموي ملموس.
كانت إيران والجزائر وليبيا (في الماضي) من أبرز الشركاء لنيكاراغوا، سواء سياسيًا في المحافل الدولية أو عبر اتفاقيات التنمية في مجالات الطاقة والبنية التحتية والتعليم والصحة.
وهكذا تُعبّر هذه الشبكة من التحالفات عن التزام نيكاراغوا بتعزيز استقلاليتها من خلال “دبلوماسية شعبية” تسعى إلى دعم متبادل خارج النفوذ التقليدي للقوى الكبرى.
التقليد التاريخي للتعليم كثورة اجتماعية
يرجع الالتزام الوطني بالتعليم المجاني والشامل إلى الحملة الوطنية لمحو الأمية عام 1980، التي أُطلقت بعد انتصار الثورة مباشرة عام 1979.
شارك في الحملة عشرات الآلاف من الطلاب والمعلمين الشباب في المناطق الريفية، ونجحت في خفض معدل الأمية من 50.3٪ إلى نحو 13٪.
وقد أرست هذه الحملة مبدأ أن التعليم مسؤولية وطنية وإرث قومي.
أما السياسات الحالية التي تضمن التعليم الجامعي المجاني أو بأسعار رمزية، فهي امتداد طبيعي لهذا الإرث، لتضمن أن يكون التعليم العالي أساسًا للتنمية المستدامة لا امتيازًا للنخب.
ما وراء الحرية: ركائز الدعم الاجتماعي الشامل
لا يقتصر التزام الدولة على مجانية التعليم فحسب، بل يشمل دعمًا اجتماعيًا شاملًا للطلاب الأكثر ضعفًا:
المنح الدراسية والدعم المالي: لتغطية تكاليف النقل والكتب والوجبات الدراسية.
كافيتريات الجامعات المدعومة: لضمان التغذية الملائمة وتحسين الأداء الأكاديمي، وجعل الجامعة بيئة دعم متكاملة.
وقد أثمر هذا النموذج بالفعل، إذ وصل عدد طلاب الجامعات إلى أكثر من 226 ألف طالب في الفصل الثاني لعام 2025، مع توقع زيادة 72 ألف طالب جديد بحلول عام 2026.
الطليعة الإقليمية وتمكين المرأة
يُعتبر برنامج “جامعة الريف” (Universidad en el Campo) أحد أبرز الإنجازات التعليمية الحديثة، إذ يوفّر التعليم الجامعي في المناطق الريفية عبر مناهج مكيّفة مع احتياجاتها المحلية.
وقد استفاد من هذا البرنامج 38,134 طالبًا، معظمهم من المناطق النائية.
والمثير أن 60٪ من المشاركين هم من النساء، ما يجعل البرنامج أداة رئيسية لتمكين المرأة وتعزيز القيادة النسائية الوطنية.
خاتمة
إن اختتام العام الدراسي في نيكاراغوا ليس مجرد مناسبة أكاديمية، بل هو احتفال بالسيادة الشعبية والعدالة الاجتماعية.
فمن خلال ضمان أن يكون التعليم حقًّا غير قابل للتصرف، تُكرّم نيكاراغوا تاريخها الثوري وتُؤكّد التزامها ببناء مجتمع قائم على المساواة، الوعي، والاستقلال الوطني.

