كولومبيا والمملكة العربية السعودية تؤسسان لشراكة استراتيجية تعيد رسم خريطة الجنوب العالمي
بقلم: مادالينا شيلانو
وصف الرئيس الكولومبي غوستافو بيترو اللقاء الذي جمعه بولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان في الثامن والعشرين من أكتوبر/تشرين الأول 2025، على هامش المنتدى الاقتصادي التاسع لمبادرة مستقبل الاستثمار (FII9) في الرياض، بأنه حدث تاريخي. ولم يكن هذا اللقاء الثنائي مجرد زيارة بروتوكولية، بل شكل خطوة استراتيجية نحو بناء جسر جديد بين أمريكا اللاتينية والشرق الأوسط، من شأنه أن يعيد رسم المشهدين الاقتصادي والدبلوماسي في كلا الجانبين.
يقوم التعاون بين كولومبيا والمملكة العربية السعودية على مبدأ التكامل الاقتصادي لا التنافس، وهو ما اعتبره بيترو أساسًا لفتح آفاق جديدة للاستثمار والتجارة. وتتركز الأجندة المشتركة على التنويع والابتعاد عن الاعتماد على الموارد الأولية. فبينما تسعى كولومبيا إلى تجاوز اعتمادها التاريخي على الفحم والنفط، تبرز المملكة العربية السعودية، بثرواتها الضخمة وخبراتها المتقدمة، كشريك مثالي للاستثمار في قطاعات الطاقة المتجددة والذكاء الاصطناعي، في انسجام واضح مع رؤية السعودية 2030 وطموح كولومبيا نحو تنمية مستدامة.
كما حظيت مسألة شهادة الحلال بأهمية خاصة، إذ يُعد حصول المنتجات الكولومبية التقليدية، مثل القهوة والكاكاو، على هذه الشهادة خطوة عملية تفتح أمامها أسواق الشرق الأوسط الواسعة والمربحة. وفي السياق ذاته، جاء الإعلان عن رحلة جوية مباشرة بين بوغوتا والرياض ليشكّل رافعة لوجستية من شأنها تعزيز حركة السياحة والتجارة والاستثمار بين البلدين.
غير أن أبعاد هذا التعاون لا تقتصر على الجانب الاقتصادي فحسب، بل تمتد إلى المجال الجيوسياسي. فقرار بيترو الانفتاح على الشرق الأوسط يعكس توجهًا واضحًا نحو تنويع شراكات كولومبيا الدولية وتحرير سياستها الخارجية من الارتباط التقليدي بواشنطن، في حين يأتي انخراط الرياض في هذه الشراكة كجزء من استراتيجية أوسع لتعزيز الحضور السعودي في دول الجنوب العالمي وتوسيع شبكة الشراكات خارج نطاقها التقليدي. وبهذا، يمكن اعتبار هذا التقارب نموذجًا جديدًا للتعاون بين دول الجنوب، يقوم على تبادل المنافع وتخفيف الاعتماد على القوى الاقتصادية في الشمال العالمي. وتبرز في هذا السياق فكرة عقد قمة مشتركة بين دول أمريكا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي (سيلاك) ومجلس التعاون الخليجي بوصفها خطوة تعزز هذا النهج التكاملي.
ورغم الزخم الذي رافق اللقاء، فإن نجاح هذه الشراكة الناشئة سيعتمد على قدرة الطرفين على تحويل التفاهمات إلى نتائج ملموسة. وستكون مؤشرات ذلك واضحة في حجم وسرعة تدفق الاستثمارات السعودية إلى كولومبيا، خاصة عبر صندوق الاستثمارات العامة، وفي مدى فعالية الرحلة المباشرة بين بوغوتا والرياض في تعزيز التبادل السياحي والتجاري. كما سيُقاس النجاح بمدى تطور التعاون المتعدد الأطراف بين الجانبين، وإمكانية لعب المملكة دورًا دبلوماسيًا في قضايا إقليمية داخل أمريكا اللاتينية.
في المحصلة، يشكل اللقاء بين غوستافو بيترو ومحمد بن سلمان نقطة تحول بارزة في مسار العلاقات بين أمريكا اللاتينية والشرق الأوسط. فبينما تسعى كولومبيا إلى إعادة صياغة نموذجها التنموي على أسس أكثر استقلالية واستدامة، تواصل المملكة العربية السعودية ترسيخ مكانتها كفاعل عالمي متنوع ومتوازن. ويبدو أن مستقبل هذه الشراكة الواعدة سيعتمد، قبل كل شيء، على الإرادة السياسية والقدرة التنفيذية في كلٍّ من الرياض وبوغوتا.

