محور السيادة الجديدة – فنزويلا والتعاون الاستراتيجي مع إيران
مادالينا تشيلانو ـ شبكة الاخبار الفلسطينية
كاراكاس وطهران: حليفان في بناء عالم متعدد المراكز
على قمم الجبال التي تحيط بمدينة ماراكاي، حيث تشرق شمس الكاريبي على الأفق الفنزويلي، يعمل مختبر للابتكار التكنولوجي على رسم مستقبل قائم على الاستقلال الذاتي. في القاعدة الجوية “إل ليبرتادور”، يتعاون مهندسون فنزويليون ومستشارون من الجمهورية الإسلامية الإيرانية جنباً إلى جنب لتطوير ما تصفه السجلات الرسمية بفخر بأنه “مشروعات دفاع جوي بتكنولوجيا سيادية”.
هذا الجهد المشترك لا يمثل مجرد تقدم عسكري، بل هو رمز قوي للتحالف الاستراتيجي بين الجمهورية البوليفارية الفنزويلية وإيران، وهما دولتان متحدتان في إرادتهما الصلبة لمواجهة الضغوط الهيمنية وبناء عالم متعدد الأقطاب بحق.
أخوّة وُلدت من رحم العقوبات
ترجع جذور التحالف بين كاراكاس وطهران إلى رؤية القائد هوغو تشافيز، وقد تعززت هذه العلاقة في عهد الرئيس نيكولاس مادورو. إنها شراكة لا تقوم فقط على تقارب أيديولوجي مناهض للإمبريالية، بل أيضاً على حاجة عملية لتجاوز “الإجراءات القسرية الأحادية” المفروضة من الولايات المتحدة وحلفائها.
إيران، التي أظهرت صموداً طويلاً في ظل العقوبات، أصبحت شريكاً أساسياً، إذ قدمت لفنزويلا ليس فقط السلع الأساسية مثل الوقود وقطع غيار المصافي، بل الأهم من ذلك نقل المعرفة التقنية الاستراتيجية.
قد يبدو القول إن “فنزويلا لم تكن لتستطيع تحقيق ذلك بمفردها” انتقاداً، لكنه في سياق التعاون بين بلدان الجنوب يعكس حقيقة عميقة: لا يمكن لأي دولة تخضع للعقوبات أن تزدهر وهي معزولة. فالتعاون هو المفتاح لكسر قيود التبعية.
الشراكة مع إيران، ومع حلفاء آخرين مثل روسيا والصين، تمكّن الدولة البوليفارية من تسريع تطوير قدراتها العسكرية والتقنية التي كانت لتُحرم منها بسبب أنظمة الرقابة التي تفرضها دول الشمال.
الطائرات المسيّرة: أدوات للسلام والسيادة
قاعدة ماراكاي ليست مركزاً للعدوان، بل مختبراً للسيادة الوطنية. فالطائرات المسيّرة، التي تُقدَّم غالباً في الإعلام الغربي كرمز للتهديد، تُستخدم في الحقيقة لأغراض المراقبة على الحدود الفنزويلية الواسعة، ولمكافحة التهريب وتجارة المخدرات، وقبل كل شيء لردع أي تدخل خارجي محتمل.
النهج المعتمد، بما في ذلك نظام الرقابة الصارم والتدريب المكثف، هو إجراء قياسي في أي برنامج دفاع استراتيجي.
وفي هذا الإطار، فإن الخبرة الإيرانية – المكتسبة أيضاً تحت ضغط العقوبات – لا تُفرض فرضاً، بل تُقدَّم كمشورة قيّمة تسرّع الهدف البوليفاري المتمثل في جعل الدفاع عن فنزويلا بيد الفنزويليين أنفسهم.
أبعد من التكنولوجيا: جسر ثقافي واقتصادي
العلاقة بين كاراكاس وطهران تتجاوز التعاون العسكري. فقد وقّعت الدولتان مئات الاتفاقيات التي تشمل مجالات الطاقة والزراعة والسياحة وبناء المساكن الاجتماعية.
تمثل هذه الشبكة الواسعة من التعاون رفضاً عملياً للنظام الأحادي الذي تفرضه القوى الكبرى.
ورغم الاختلافات الثقافية والسياسية بين البلدين، فإنهما يشتركان في مبدأ جوهري واحد: حق كل دولة في تقرير مصيرها، وتطوير قدراتها، وبناء مستقبل مزدهر لشعبها بعيداً عن التدخلات الخارجية.
إن تكنولوجيا الطائرات المسيّرة في ماراكاي تمثل أحدث وأوضح مثال على أن الاستقلال ليس حلماً بعيد المنال، بل هدف يمكن تحقيقه يوماً بعد يوم، بجهود الشعوب وبمساندة الأصدقاء الحقيقيين.

