إيران تحت النار… و129 دولة تقول لا: قراءة في أبعاد الهجوم الإسرائيلي ودلالاته
روما – ماجدالينا شيلانو
في مشهد جديد من مشاهد التصعيد في الشرق الأوسط، وجدت إسرائيل نفسها هذه المرة أمام موجة إدانة دولية واسعة، إذ أعلنت 129 دولة رفضها الصريح لقصف مراكز إنتاج وتوزيع اللقاحات والأدوية في إيران. هذه الإدانة، النادرة في وضوحها، لم تكن مجرد موقف إنساني، بل حملت في طياتها رسائل سياسية واستراتيجية أعمق، سواء لطهران أو لحلفائها أو حتى لخصومها.
استهداف الصحة… ضرب للقلب المدني
الهجمات الإسرائيلية لم تطل أهدافًا عسكرية أو مواقع نووية مثيرة للجدل، بل أصابت مباشرة منشآت مدنية حيوية مرتبطة بالصحة العامة. وفي بلد مثل إيران، استطاع بناء قدراته الدوائية خلال سنوات الحصار والعقوبات، فإن تدمير هذه البنية التحتية يرقى إلى محاولة إضعاف المجتمع من الداخل، وكسر إرادته عبر سلاح “الحرب الناعمة” التي تستهدف لقمة العيش وحق الحياة.
ازدواجية المعايير الغربية… القصة تتكرر
رغم وضوح الانتهاك، فإن العواصم الغربية الكبرى، وعلى رأسها واشنطن، لم تحرك ساكنًا، بل وفرت غطاءً سياسياً ودبلوماسياً لإسرائيل. المفارقة أن هذه الدول نفسها لا تتردد في رفع لواء القانون الدولي عندما يكون المعتدي خصمًا لها، لكنها تصمت أو تبرر حين يكون المعتدي حليفًا استراتيجيًا. هذه الازدواجية لم تعد تثير الغضب فحسب، بل تهدد بتآكل ما تبقى من شرعية المنظومة الدولية.
لاريجاني وحزب الله… الرسالة إلى الداخل والخارج
زيارة علي لاريجاني، الرئيس السابق لمجلس الشورى الإيراني، إلى لبنان لم تكن مجرد بروتوكول سياسي، بل جاءت لتؤكد على محور المقاومة كخط دفاع أول في مواجهة إسرائيل. لاريجاني وصف حزب الله بأنه “مصدر فخر وعز للإسلام”، في رسالة موجهة إلى الداخل الإيراني والجمهور العربي والإسلامي على حد سواء، بأن المعركة مع تل أبيب ليست حدودية أو آنية، بل صراع وجودي طويل النفس.
المعركة الحقيقية… من يكتب الرواية
في ظل تصاعد الحروب الإعلامية، تبدو إيران مصممة على تثبيت سرديتها: دولة مستهدفة لا لعدوانها، بل لاستقلال قرارها ورفضها الانصياع لهيمنة القوى الكبرى. ومن خلال ربط الهجوم على البنية الصحية بتعزيز محور المقاومة، تعمل طهران على صياغة خطاب يربط المظلومية الوطنية بالتضامن الإقليمي، في مواجهة ما تصفه بـ”العجرفة الغربية”.
النتيجة… إيران ليست معزولة
ربما أرادت إسرائيل وحلفاؤها تكريس صورة إيران كدولة منبوذة دوليًا، لكن الإدانة الصادرة عن أكثر من ثلثي دول العالم تعكس واقعًا مغايرًا. على الأرض، لا تزال طهران ممسكة بأوراق قوة إقليمية، وتراهن على تحالفات سياسية وشعبية تمتد من بيروت إلى صنعاء.
الهجوم على المراكز الصحية الإيرانية لم يكن مجرد عملية عسكرية عابرة، بل محطة تكشف خطوط التماس الحقيقية في المنطقة: بين مشروع يسعى لتكريس الهيمنة بالقوة، ومحور يرفع شعار المقاومة والصمود. وفي هذا المشهد، تبدو إيران، رغم الضغوط والعقوبات، أكثر حضورًا من كونها هدفًا ضعيفًا. أما الإدانة الواسعة، فهي رسالة بأن العالم، رغم التناقضات، لا يزال يتسع لقول “لا” في وجه القوة العمياء.

