غزة / شبكة الاخبار الفلسطينية
ارتبطت محطات بارزة في تاريخ الانتخابات الإسرائيلية بأحداث أمنية وهجمات وعمليات عسكرية وقعت قبل التصويت بأيام أو خلال الحملات الانتخابية، وأثرت في ترتيب أولويات الناخبين، ولا سيما في القضايا المتعلقة بالأمن والصراع مع الفلسطينيين.
وتشير تقارير أرشيفية نشرتها وسائل إعلام إسرائيلية، بينها “يديعوت أحرونوت”، وصحيفة “والا”، إلى أن بعض هذه الأحداث ساهم في تغيير اتجاهات التصويت أو استُخدم في الحملات الانتخابية لتعزيز فرص أحزاب وشخصيات سياسية.
1988: هجوم حافلة أريحا قبل الانتخابات بيومين
في 30 تشرين الأول/ أكتوبر 1988، قبل أقل من 48 ساعة من انتخابات الكنيست الثانية عشرة، ألقى “مهاجمون فلسطينيون” زجاجات حارقة على حافلة إسرائيلية تابعة لشركة “إيغد”، كانت تسير على الخط 961 من طبريا إلى القدس، قرب أريحا.
وأدى الهجوم إلى احتراق الحافلة ومقتل راحيل فايس، البالغة 26 عاما، وأطفالها الثلاثة، فيما توفي الجندي دافيد ديلروزا لاحقا متأثرا بإصاباته بعد محاولته إنقاذهم.
ووقعت العملية في ظل تصاعد الانتفاضة الفلسطينية الأولى، التي اندلعت في كانون الأول/ ديسمبر 1987، وكانت تداعياتها من القضايا الرئيسية في الانتخابات.
وذكرت صحيفة “والا” أن الانتخابات انتهت بفوز الليكود بقيادة إسحاق شامير على حزب العمل، الذي كان يقود تحالف “المعراخ”، بفارق مقعد واحد، إذ حصل الليكود على 40 مقعدا مقابل 39 لتحالف المعراخ.
وأشارت الصحيفة إلى أن الهجوم عُد من الأحداث التي ربما ساهمت في تحريك أصوات الناخبين في اللحظات الأخيرة.
1992: مقتل هيلينا راب وتحول الأمن إلى قضية انتخابية
في 24 أيار/ مايو 1992، قُتلت الفتاة الإسرائيلية هيلينا راب، البالغة 15 عاما، طعنا في مدينة بات يام، في هجوم نفذه فلسطيني من قطاع غزة.
وأثار مقتلها صدمة واسعة في إسرائيل، وشهدت المدينة احتجاجات غاضبة، فيما برزت القضية خلال الحملة الانتخابية التي خاضها رئيس حزب العمل إسحاق رابين في مواجهة رئيس الوزراء إسحاق شامير.
وذكرت صحيفة “يديعوت أحرونوت”، أن مقتل راب أصبح من الأحداث التي حضرت بقوة في النقاش الانتخابي حول الأمن، وأنه ارتبط بتراجع شعبية شامير وصعود رابين، الذي فاز في انتخابات حزيران/ يونيو 1992.
وحصل حزب العمل بقيادة رابين على 44 مقعدا، مقابل 32 مقعدا لليكود بقيادة شامير.
ومع ذلك، فإن نتيجة الانتخابات تأثرت أيضا بعوامل أخرى، من بينها القضايا الاقتصادية والاجتماعية والجدل حول مسار المفاوضات السياسية.
1996: عمليات تفجيرية قلبت أجواء المنافسة بين بيريس ونتنياهو
تُعد انتخابات عام 1996 من أبرز الأمثلة على ارتباط التطورات الأمنية بالتنافس على رئاسة الحكومة الإسرائيلية.
ففي مطلع العام، اغتالت إسرائيل يحيى عياش، أحد أبرز قادة كتائب القسام، الجناح العسكري لحركة حماس، وأعقب ذلك تصاعد في الهجمات داخل إسرائيل.
وفي 25 شباط/ فبراير 1996، وقعت عمليتا تفجير في القدس وعسقلان، أسفرتا عن مقتل عشرات الإسرائيليين.
وفي 3 آذار/ مارس، وقعت عملية تفجيرية في القدس، ألقاها عملية تفجيرية أخرى في تل أبيب في اليوم التالي.
وجاءت الهجمات في وقت كان فيه رئيس الوزراء شمعون بيريس، مرشح حزب العمل، يتقدم على بنيامين نتنياهو، مرشح الليكود، في استطلاعات الرأي.
ووفقا لتقرير نشرته وكالة الأنباء اليهودية “جي تي إيه” في 27 شباط/فبراير 1996، أظهرت استطلاعات الرأي التي أعقبت التفجيرات ارتفاعا فوريا في دعم الليكود بقيادة نتنياهو، بعدما كان متأخرا بفارق واضح عن بيريس.
كما أشار تقرير “يديعوت” إلى أن الهجمات عززت شعور قطاعات من الجمهور الإسرائيلي بأن المسار السياسي مع الفلسطينيين لم يحقق الأمن المنشود، وهو ما استفاد منه معسكر اليمين المعارض لاتفاقات أوسلو.
وفي 29 أيار/ مايو 1996، فاز نتنياهو برئاسة الحكومة بفارق ضئيل بلغ نحو 29 ألف صوت عن بيريس، في واحدة من أكثر الانتخابات تقاربا في تاريخ إسرائيل.
ولا يمكن اختزال النتيجة بالتفجيرات وحدها؛ فقد تداخلت معها عوامل أخرى، بينها عملية “عناقيد الغضب” الإسرائيلية في لبنان، ومقتل مدنيين في قصف موقع تابع للأمم المتحدة في قانا، إضافة إلى الحملات الانتخابية المكثفة في الأيام الأخيرة.
2000-2001: الانتفاضة الثانية وفوز أريئيل شارون
اندلعت الانتفاضة الفلسطينية الثانية في أيلول/ سبتمبر 2000، عقب زيارة أريئيل شارون، الذي كان حينها رئيس حزب الليكود، إلى باحات المسجد الأقصى، وما تبعها من مواجهات واحتجاجات واسعة.
وتصاعدت المواجهات والعمليات خلال الأشهر التالية، وأصبحت قضية الأمن في صدارة النقاش السياسي الإسرائيلي.
وفي انتخابات رئاسة الحكومة التي جرت في شباط/ فبراير 2001، فاز شارون على رئيس الوزراء إيهود باراك، وحصل على 62.3% من الأصوات، مقابل 37.7% لباراك.
وأشارت تقارير إسرائيلية إلى أن تصاعد العنف وتراجع الثقة بفرص التوصل إلى تسوية سياسية ساهما في إضعاف باراك وتعزيز موقف شارون، الذي خاض حملته تحت شعار “السلام والأمن”.
لكن هذه الانتخابات جاءت أيضا في ظل أزمة سياسية واسعة وتراجع شعبية باراك، ولا يمكن اعتبار العمليات وحدها تفسيرا كاملا للنتيجة.
2008-2009: حرب غزة وتغيير أولويات الحملة الانتخابية
في 27 كانون الأول/ ديسمبر 2008، شنت إسرائيل عملية “الرصاص المصبوب” على قطاع غزة، قبل أسابيع من انتخابات الكنيست التي جرت في شباط/ فبراير 2009.
وأدت العملية إلى تعليق الأحزاب الإسرائيلية الرئيسية حملاتها الانتخابية مؤقتا، مع انتقال الاهتمام العام إلى المواجهة العسكرية والملف الأمني.
وذكرت صحيفة “يديعوت أحرونوت” أن العملية غيرت طبيعة الحملة الانتخابية، التي كانت قد بدأت وسط تركيز على القضايا الاقتصادية والاتهامات بالفساد، ودفعت الأحزاب إلى إعادة ترتيب أولوياتها.
وفي الانتخابات، حصل حزب كاديما بقيادة تسيبي ليفني على 28 مقعدا، مقابل 27 مقعدا لليكود بقيادة نتنياهو، لكن معسكر اليمين حصد أغلبية أكبر في الكنيست، ما مكن نتنياهو من تشكيل الحكومة.
وتوضح هذه النتيجة أن التأثير الانتخابي للأحداث العسكرية لا يظهر بالضرورة في عدد مقاعد الحزب الفائز منفردا، بل قد يظهر أيضا في قدرة المعسكرات السياسية على تشكيل الحكومة.
الأمن عامل انتخابي مؤثر وليس تفسيرا وحيدا
تُظهر هذه المحطات أن الهجمات المرتبطة بالصراع الفلسطيني الإسرائيلي، إلى جانب العمليات العسكرية والتصعيد الميداني، كثيراً ما دفعت الأمن إلى صدارة الحملات الانتخابية الإسرائيلية، وأتاحت للأحزاب التي تطرح خطابا أمنيا متشددا فرصة تعزيز حضورها السياسي.
وتبقى انتخابات 1988، مع هجوم حافلة أريحا، وانتخابات 1996، التي سبقتها موجة عمليات تفجيرية، من أبرز الحالات التي تناولتها الصحافة الإسرائيلية عند بحث العلاقة بين الأحداث الأمنية وتغير اتجاهات الناخبين.



