شبكة الأخبار الفلسطينية - P.N.NEWS
اعلان عرضي
اعلان عرضي

الدكتور صلاح عبد العاطي.. طاقةٌ حقوقيةٌ جعلت من الدفاع عن الإنسان موقفًا وطنيًّا

الدكتور صلاح عبد العاطي.. طاقةٌ حقوقيةٌ جعلت من الدفاع عن الإنسان موقفًا وطنيًّا

بقلم: المستشار د. أحمد يوسف
من كتاب: «نبلاء وأعلام.. هكذا عرفتهم»
«في غزة، لا يغيب صلاح عبد العاطي عن مشهدٍ حقوقي أو حوارٍ وطني؛ يحضر بعلمه ونشاطه، ويجعل من الدفاع عن الإنسان جزءًا من الدفاع عن فلسطين.»
جمعتني بالدكتور صلاح عبد العاطي لقاءات كثيرة في قطاع غزة، وفي القاهرة، خلال فعاليات سياسية وحقوقية، وفي محطات من الحوار الوطني وجهود إنهاء الانقسام الفلسطيني. ومع مرور الوقت، لم تعد هذه اللقاءات مجرد مناسبات عابرة، بل صارت فرصة للتعرف عن قرب إلى شخصية تجمع بين الحضور العملي والوعي بالقضية، وبين الاهتمام بالتفاصيل الحقوقية والإيمان بأهمية العمل الوطني المشترك.
كان صلاح حاضرًا في كثير من الفعاليات والندوات التي شهدتها غزة؛ تارةً شريكًا في النقاش، وتارةً محاضرًا يقدّم رؤيته ويثير الأسئلة التي تستحق التوقف عندها. ومن الصعب أن تتابع المشهد الحقوقي أو الحوارات السياسية والاجتماعية في القطاع من دون أن تصادف اسمه أو جهده. فهو من الشخصيات التي لا تكتفي بالتعليق على الحدث، بل تتابعه وتقرأ خلفياته وتبحث عن سبل توثيقه ومساءلة المسؤولين عنه.
وقد لمست فيه طاقة عالية على العمل والحركة، ووعيًا لا يتوافران في كثير من العاملين في المجالين الإنساني والوطني. وفي غزة، حيث تتوالى الوقائع وتتراكم الأزمات، يصبح هذا الحضور المستمر جزءًا من معركة حفظ الحقيقة، ومقاومة محاولات تغييب الضحايا أو تحويل معاناتهم إلى أرقام عابرة.
تشرفت بدعوته إلى المشاركة في أنشطة معهد بيت الحكمة ومؤتمراته، كما استضفته ضيفًا مشاركًا في محاضراتي لطلبة الماجستير في الجامعة الإسلامية بغزة. وكان حضوره يضيف إلى اللقاء؛ لما يمتلكه من خبرة في العمل الحقوقي، وقدرة على وصل المعرفة النظرية بالواقع الفلسطيني، وما يطرحه هذا الواقع من أسئلة تتعلق بالعدالة والمساءلة والحريات والحقوق الوطنية. ولم يكن الحوار معه محصورًا في توصيف الوقائع، بل امتد إلى البحث في كيفية بناء موقف وطني أكثر تماسكًا، وإلى أهمية أن تكون الشراكة والحوار أساسًا لأي معالجة لأزماتنا الداخلية.
وُلد صلاح الدين محمد عبد الحميد عبد العاطي في مخيم جباليا شمالي قطاع غزة، في العاشر من مايو/أيار عام 1975، لأسرة فلسطينية لاجئة تعود أصولها إلى قرية يبنا المهجّرة قضاء الرملة. درس القانون في كلية الشريعة والقانون بجامعة الأزهر في غزة، ثم حصل على درجة الماجستير في العلوم السياسية من جامعة القدس، ونال الدكتوراه في فلسفة العلوم السياسية من معهد البحوث والدراسات العربية بالقاهرة. وكانت أطروحته عن محاكمة مجرمي الحرب الإسرائيليين في ضوء حصول فلسطين على صفة الدولة غير العضو المراقب في الأمم المتحدة؛ وهو موضوع يكشف جانبًا من اهتمامه بسبل توظيف القانون الدولي في خدمة الحقوق الفلسطينية وملاحقة مرتكبي الانتهاكات.
بدأ مساره المهني في العمل التربوي والتدريب، فتولى برامج في معهد كنعان التربوي الإنمائي، وعمل في التدريب والاستشارات القانونية، إلى جانب نشاطه في مؤسسات المجتمع المدني. ثم تولى مسؤوليات في مؤسسات حقوقية وبحثية، منها الهيئة المستقلة لحقوق الإنسان في قطاع غزة، والمركز الفلسطيني لأبحاث السياسات والدراسات الاستراتيجية «مسارات». وهو يرأس الهيئة الدولية لدعم حقوق الشعب الفلسطيني «حشد»، ويواصل من خلالها العمل على دعم الحقوق الفلسطينية ومتابعة الانتهاكات محليًا ودوليًا. كما أسهم في تأسيس مبادرات ومؤسسات شبابية، وشارك في تدريب أعداد كبيرة من المحامين والناشطين والعاملين في مؤسسات المجتمع المدني.
قد برز نشاطه بوضوح خلال حرب الإبادة على قطاع غزة. فبحسب التقرير الذي أصدرته «حشد» عن تدخلاتها بين السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023 ونهاية مايو/أيار 2024، واصلت الهيئة رصد الانتهاكات وتوثيقها، وإعداد الإحاطات والبلاغات وإرسالها إلى جهات دولية، بينها مكتب الادعاء في المحكمة الجنائية الدولية، إلى جانب حملات المناصرة والتواصل مع المنظمات الدولية. وذكر التقرير أن الهيئة أصدرت خلال تلك الفترة بيانات ومناشدات، وشاركت في مؤتمرات صحفية وأنشطة تضامنية، كما نظّمت مبادرات إرشادية وترفيهية للأطفال في خيام ومراكز الإيواء. وقد جرت هذه الجهود في ظروف قاسية، بعدما تضرر مقر الهيئة في مدينة غزة واضطر فريقها إلى النزوح، شأنه شأن كثير من أبناء القطاع.
وفي مواقفه العلنية، دعا صلاح عبد العاطي إلى وقف الحرب، وحماية المدنيين، وضمان وصول المساعدات، كما شدد على أهمية مساءلة المسؤولين عن الجرائم أمام القضاء الدولي، وعدم الاكتفاء بالبيانات والإدانات. وتناول في كتاباته القانونية مسؤولية الاحتلال عن جرائم الحرب، وأهمية توثيق الوقائع والأدلة، وربط الملفات الميدانية بالمسارات القضائية الدولية. ومن الأوراق التي عالجت هذا المسار ورقةٌ تناولت قضية الإبادة الجماعية أمام محكمة العدل الدولية، ونبّهت إلى أن بطء الإجراءات القضائية لا ينبغي أن يتحول إلى سبب لتراجع الاهتمام أو تعطيل مساعي المساءلة.
ومع الانتقال إلى نقاش مستقبل غزة وما بعد الحرب، واصل طرح مواقف تربط بين وقف العدوان، وحقوق الناس في الإغاثة والإعمار، وحق الفلسطينيين في تقرير مستقبلهم. ففي تقدير موقف نشرته «حشد» عام 2026، تناول ما وصفه بـ«هندسة اللاحل» ومحاولات إعادة تشكيل الواقع الفلسطيني، مؤكدًا ضرورة تثبيت وقف دائم للحرب، والانسحاب من القطاع، وإدخال المساعدات من دون شروط، والتعامل مع الإعمار بوصفه حقًا إنسانيًا وقانونيًا لا أداة ضغط سياسي. كما دعا إلى إعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني على قاعدة الشراكة واستعادة الوحدة الوطنية.
وامتد هذا الحضور إلى أنشطة الحوار والمناصرة في المرحلة اللاحقة؛ فقد شارك في جهود لإيجاد فضاء تواصلي يجمع المؤسسات والتجمعات الفلسطينية في الوطن والشتات، بما يربط توثيق الانتهاكات في الداخل بالتحرك القانوني والمناصرة في الخارج. وفي فعالية حوارية نظمتها «حشد»، دعا إلى بناء تنسيق فلسطيني دائم، وإلى تحويل النقاشات إلى مبادرات عملية تخدم القضايا الوطنية. كما واصلت الهيئة تنظيم لقاءات حقوقية تتناول سبل المساءلة الدولية، ومن بينها ندوة عن المسؤولية القانونية للمؤسسات الأمريكية والتحركات الممكنة أمام الآليات الدولية.
ولم يقتصر نشاطه على المجال المحلي؛ فقد شارك في مؤتمرات وملتقيات عربية ودولية، وتناول في أوراقه ومداخلاته قضايا حقوق الإنسان، والقانون الدولي الإنساني، والحريات العامة، والشباب، والتنمية، والحماية القانونية للفلسطينيين. ومن بين أعماله المنشورة كتاب «الحكم المحلي والهيئات المحلية في فلسطين»، ودراسات في التربية المدنية، والشباب والقانون، والسلم الأهلي ونبذ العنف، وحقوق الشباب الفلسطيني. كما كتب عن مسؤولية الاحتلال عن جرائم الحرب في قطاع غزة، وعن سبل ملاحقة مجرمي الحرب الإسرائيليين؛ وهي موضوعات تتصل مباشرة بضرورة ألا تبقى الجرائم بلا توثيق أو مساءلة.
وفي اللقاءات التي جمعتنا خلال جهود إنهاء الانقسام، كان واضحًا أن العمل الحقوقي عند صلاح لا ينفصل عن همّ الوحدة الوطنية. فالدفاع عن الحقوق يحتاج إلى مؤسسات تحظى بالثقة، وإلى حياة سياسية تسمح بالمشاركة والمحاسبة، وإلى حوار جاد بين القوى الفلسطينية. وقد رأيت في حضوره خلال تلك اللقاءات إصرارًا على أن تبقى أبواب النقاش مفتوحة، وأن تظل مصلحة الشعب فوق الحسابات الضيقة.
ولعل أكثر ما يميز الدكتور صلاح عبد العاطي أنه لا يتعامل مع نشاطه الحقوقي بوصفه وظيفة محدودة، بل بوصفه التزامًا متصلًا بالإنسان الفلسطيني وكرامته وحقوقه. لذلك أراه حاضرًا في الندوة والمؤتمر، وفي قاعة الجامعة، وفي النقاشات السياسية والحقوقية؛ حاضرًا بعلمه، وبحيويته، وبإصرار لا يفتر على متابعة ما يجري. وهو، في هذا كله، عنوان حقوقي فلسطيني مميز، جعل من المثابرة والعمل طريقًا للدفاع عن الإنسان، ومن المعرفة أداة لخدمة قضية وطنه. عرض أقل

 

 

 

مشاركة

مشاركة الخبر

أدوات
البريد الإلكتروني
إعلانات
اعلان عامودي
اعلان عامودي اخر
اعلان عرضي