زيارة كوبا ليست جريمة: الابتزاز الأميركي ضد حرية السفر
بقلم: مادالينا سيلانو
في عالم يُفترض أن تحكمه القوانين الدولية، وأن تُصان فيه الحريات الأساسية، ما زالت الولايات المتحدة تفرض إجراءات عقابية على مواطنين أوروبيين فقط لأنهم زاروا كوبا. عقوبات لا تستند إلى أي أساس قانوني، بل إلى منطق الهيمنة والانتقام السياسي.
من كوبا إلى نيكاراغوا: رحلة محاصرة بالعقوبات
في عام 2024، زرت كوبا بدافع المعرفة والانفتاح والتضامن مع شعب صامد منذ أكثر من ستة عقود في وجه الحصار الأميركي. وفي 2025، قررت التوجه إلى نيكاراغوا لأسباب ثقافية وأكاديمية. لكن ما إن شرعت في تنظيم رحلة العودة إلى إيطاليا، حتى اصطدمت بابتزاز جديد: لا يحق لي العبور من الولايات المتحدة لأنني زرت كوبا.
لقد تم استبعادي من برنامج الإعفاء من التأشيرة (ESTA)، وأُجبرت على تقديم طلب تأشيرة عادية بقيمة 170 يورو، دون أي ضمانة بالحصول عليها وفي ظل مهل زمنية طويلة وغير شفافة. إنها ليست المرة الأولى: سبق أن عشت التجربة نفسها عامي 2021 و2022.
عقوبة سياسية باسم “الأمن”
منذ 12 يناير 2021، أدرجت واشنطن كوبا على قائمتها السوداء كـ “دولة راعية للإرهاب”، في تصنيف تعسفي لا يستند إلى أي دليل قانوني. ونتيجة لذلك، فإن كل من زار كوبا بعد هذا التاريخ يُمنع من استخدام برنامج ESTA، حتى لو كان فقط للعبور في مطار أميركي.
هذه الإجراءات العقابية، التي بدأت في عهد ترامب واستمرت في عهد بايدن، تعني ببساطة أن زيارة كوبا تُعتبر “جريمة” في نظر واشنطن.
نظام بيروقراطي عقابي
ما يزيد الطين بلة أن النظام البيروقراطي مصمم لابتزاز المسافرين: من يتقدم بطلب ESTA ويفشل، يخسر الرسوم المدفوعة (25 يورو)، ويضطر بعدها لدفع 170 يورو أخرى للحصول على تأشيرة تقليدية. وفي حالتي، حصلت على موافقة مبدئية ثم رُفضت لاحقًا بسبب “السابقة الكوبية”، لتُمنع بعدها كل شركات الطيران من نقلي إلى الولايات المتحدة حتى ولو لمجرد التوقف العابر.
انتهاك صارخ للقانون الدولي
هذه السياسة لا تستهدف فقط الأفراد، بل تُعد انتهاكًا واضحًا للعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، الذي ينص في مادته 12 على أن “لكل فرد الحق في مغادرة أي بلد، بما في ذلك بلده”. فرض تكاليف إضافية وعراقيل إدارية فقط لأن شخصًا ما زار بلدًا “غير مرغوب فيه” أميركيًا هو ممارسة قمعية، لا علاقة لها بالأمن.
أوروبا… تتفرج بصمت
ما يثير الغضب أكثر هو صمت الحكومات الأوروبية. هذه القيود تطال مواطنين أوروبيين، لكن لا صوت يُسمع، ولا موقف يُعلن. رغم أن الاتحاد الأوروبي وقّع اتفاق شراكة مع كوبا عام 2016، إلا أن هذا الاتفاق لم يمنع التواطؤ الضمني مع سياسة العقاب الأميركية.
أين السيادة الأوروبية عندما يُمنع مواطنوها من التنقل بحرية؟ أين الموقف عندما تُفرض عليهم تأشيرات باهظة فقط لأنهم اختاروا زيارة بلد لا يتماشى مع مصالح البيت الأبيض؟
كوبا ليست جريمة… الحصار هو الجريمة
زيارة كوبا اليوم، حتى لو كانت سياحية، باتت فعلًا سياسيًا بامتياز. إنها تعني كسر احتكار الرواية الغربية، وإثبات أن التضامن ليس جريمة. كوبا، برغم الحصار، ما زالت تقدم بدائل في الطب والتعليم والثقافة والاستدامة… ولهذا تُعاقَب.
نداء مفتوح ضد الصمت والتواطؤ
أنا واحدة من مئات المواطنين الأوروبيين الذين يُعاقبون فقط لأنهم اختاروا معرفة الحقيقة بأنفسهم. ما أواجهه اليوم ليس حالتي الشخصية فقط، بل هو جزء من منظومة قمعية متكاملة تعاقب الاختلاف، وتُخيف المتضامنين، وتُقنن الابتزاز.
زيارة كوبا ليست جريمة.
الجريمة هي الحصار، التهديد، والعقاب الجماعي.
والصمت… هو التواطؤ.

