فلسطينيو لبنان يمنعون مديرة “الأونروا” من دخول برج البراجنة: انفجار الغضب الشعبي في وجه إدارة تتهم بـ”التقاعس والتضييق”
عصام الحلبي – بيروت – 9 تموز 2025
في تطوّر لافت يعكس عمق التوتر بين اللاجئين الفلسطينيين في لبنان ووكالة “الأونروا”، مُنعَت مديرة الوكالة في لبنان السيدة دوروثي كلاوس، من دخول مخيم برج البراجنة صباح أمس الثلاثاء، أثناء زيارة كانت برفقة المنسقة الأممية في لبنان، وذلك على يد مجموعة من الناشطين الفلسطينيين الغاضبين.
زيارة مفخخة بالغضب
الزيارة، التي كان قد جرى الترتيب لها منذ أيام، جاءت في توقيت حساس يتزامن مع تصاعد الاحتجاجات الشعبية ضد إدارة “الأونروا”، احتجاجًا على سياسات تقشفية تطال صلب المساعدات الإنسانية للاجئين، وعلى ما يعتبره اللاجئون محاولات لكتم انتماء الموظفين الوطني بذريعة الحيادية.
وما إن وصلت كلاوس إلى مدخل المخيم، حتى اعترضها عدد من الناشطين ومنعوا دخولها، رافعين لافتات تندد بـ”سياسة الإفقار والتهميش”، ومطالبين برحيلها عن موقعها الإداري، باعتبارها “شريكًا في تنفيذ مشروع إنهاء الوكالة من الداخل” جسب شعارات المحتجين، ووفق تعبير أحدهم.
من تقليص المساعدات إلى الطرد الغذائي
الشرارة الأساسية للاحتجاج تعود إلى تغيير سياسة تقديم المساعدات للعائلات الفلسطينية الأكثر عسرًا ،فبعد تقليص المساعدات النقدية تدريجيًا من 50 إلى 30 دولارًا، أعلنت الأونروا مؤخرًا استبدال تلك المساعدة بطرد غذائي بسيط لا تتجاوز قيمته 10 دولارات، ما اعتبره اللاجئون إهانة تمس كرامتهم قبل حاجتهم. وتأتي هذه التقليصات في ظل تراجع تدريجي منذ سنوات لخدمات وكالة الاونروا وعلى كافة الصعد، وتترافق مع دعوات من الاحتلال الاسرائيلي لانهاء كامل للاونروا في فلسطين المحتلة، وفي كافة المناطق التي تعمل فيها الاونروا خارج فلسطين” أماكن اللجوء القسري”
في هذا السياق، كتب أحد الناشطين عبر وسائل التواصل:
“نحن لا نطلب إحسانًا، بل نطالب بحقنا في الحياة الكريمة. كيف يمكن لعلبة فاصولياء وعبوة زيت أن تسدّ جوع أسرة مكونة من خمسة أفراد؟”
تصعيد ضد “قمع الانتماء الوطني”
إلى جانب الغضب من خفض المساعدات، يتصاعد التوتر أيضًا على خلفية إجراءات إدارية اتخذتها الأونروا ضد بعض موظفيها الفلسطينيين، بسبب تعبيرهم عن مواقف وطنية أو نشرهم رموزًا فلسطينية عبر وسائل التواصل. وقد اعتُبر هذا الأمر اعتداءً على هوية اللاجئ وحقه في الانتماء، حتى وإن كان موظفًا ضمن إطار دولي.
وقد سبق أن أوقفت إدارة الأونروا عددًا من الموظفين، بينهم رؤساء اتحادات، بدعوى خرق سياسة الحيادية، ما أثار احتجاجات في عدد من المخيمات أبرزها عين الحلوة ونهر البارد.
“العمل المشترك”.. اللقاء خارج المخيم
هيئة العمل الفلسطيني المشترك، وهي اطار فلسطيني جامع تتمثل فيه القوى والفصائل الفلسطينية في لبنان ، كانت قد طالبت مسبقًا بعقد اللقاء بين كلاوس والمنسقة الأممية داخل مكتب الأونروا في بيروت، وليس في أحد المخيمات، نظرًا لحساسية الوضع الشعبي. غير أن الإصرار على إجراء اللقاء داخل مخيم برج البراجنة فُهمَ على أنه تجاهل للواقع الميداني، وأدى إلى ما يشبه الانفجار الشعبي الرمزي.
كلاوس في مرمى النقد
منذ تسلمها منصبها، تتعرض كلاوس لانتقادات من قطاعات واسعة من اللاجئين الفلسطينيين، الذين يتهمونها بـ”التقاعس في تأمين التمويل”، وبتنفيذ سياسة “تضييق ناعم” على اللاجئين، عبر خفض التقديمات وضبط حرية التعبير داخل المؤسسة.
ويقول أحد ممثلي المحتجين في حديث صحفي:
“ليست مشكلة التمويل وحدها، بل غياب الإرادة في الضغط الدولي للدفاع عن قضية اللاجئين، وكأن الأونروا تُدار كجمعية خيرية لا كوكالة دولية لها مسؤوليات سياسية وإنسانية.”
ما بعد المنع.. أزمة ثقة تتفاقم
الحادثة، تُعدّ مؤشرًا خطيرًا على اهتزاز العلاقة بين إدارة الوكالة واللاجئين الفلسطينيين في لبنان، وتطرح تساؤلات عن مستقبل دور الأونروا في المخيمات، خاصة في ظل تزايد دعوات التصعيد المدني ضد سياسات الإدارة الحالية .
كما تنذر بتوسّع رقعة الغضب الشعبي إلى مخيمات أخرى، في حال لم تتم مراجعة جذرية للسياسات المتبعة، لا سيما في ظل ما يراه اللاجئون تهديدًا لبقائهم وكرامتهم ومطالبهم التاريخية بالعودة، لا الصدقات المؤقتة.
في الوقت ذاته يتمسك اللاجئون الفلسطينيون بوكالة الاونروا كشاهد حي على لجوئهم، وعلى حقهم في العودة الى وطنهم، ويصغطون باتجاه قيامها بواجباتها التي انشئت من اجلها؟ وخاصة وان اسباب وجودها مازالت قائمة.
ان منع دخول مديرة الأونروا إلى برج البراجنة لم يكن مجرد اعتراض ميداني، بل تعبير صارخ عن انفجار الاحتقان الفلسطيني في وجه ما يعتبره اللاجئون تهميشًا ممنهجًا. وهو مؤشر على مرحلة جديدة من المواجهة المفتوحة بين إدارة وكالة تُتهم بتقليص دورها، وبين مجتمع لاجئ يرفض التحوّل إلى متلقٍ صامت لمساعدات مذلّة.

