غزة / شبكة الاخبار الفلسطينية
لم يكن أبو أمين صقر يتوقع أن ينفق مدخراته على الإيجار، بعد أن دمّر الاحتلال الإسرائيلي منزله، ليجد نفسه بلا مأوى، ويضطر إلى استئجار شقة لإيواء عائلته، بعدما لم يعد والداه الكبيران في السن قادرين على تحمّل العيش في خيمة. ويقول أبو أمين ، إنه اضطر لاستئجار شقة بسعر مرتفع، بعد معاناة طويلة في البحث عن مكان يأوي عائلته، عقب تدمير منزلهم في شمال قطاع غزة.
ويشير إلى أن استئجار الشقة جاء بسبب حالة والديه الصحية وكبر سنهما، إذ لا يستطيعان تحمّل ظروف العيش داخل خيمة، التي لا تقيهما من حرارة الصيف ولا تحميهما من برد الشتاء. ويضيف أن أعباء الإيجار باتت تشكل ضغطًا كبيرًا عليه، خصوصًا في ظل فقدانه منزله واضطراره إلى تأمين احتياجات عائلته الأساسية في ظروف معيشية صعبة، بعدما كانت مدخراته مخصصة لمستقبل أسرته، لا لتأمين سقف مؤقت يستنزفه.
أما أبو وائل دلول، فيضطر إلى دفع نحو 70% من راتبه بدلًا لإيجار شقة يستأجرها في وسط مدينة غزة، ليجد نفسه أمام عبء جديد يضاف إلى ما خلّفه فقدان منزله من أعباء معيشية واقتصادية.
ويقول أبو وائل، في حديثه لشهاب، إن ارتفاع الإيجار يستهلك الجزء الأكبر من راتبه، ولا يترك له سوى القليل الذي بالكاد يكفي لتوفير الأساسيات لأسرته، بينما يعجز عن تأمين بقية مستلزمات الحياة، في ظل الظروف المعيشية الصعبة وارتفاع تكاليف الاحتياجات اليومية. ويضيف أنه فكر في الانتقال إلى خيمة للتخفيف من عبء الإيجار، لكن حتى هذا الخيار لا يبدو متاحًا، إذ يعجز عن توفير مكان مناسب ينصب فيه خيمته، ليبقى عالقًا بين إيجار يستنزف راتبه ومسكن بديل لا يملك القدرة على توفيره. وتفاقمت أزمة السكن بفعل الدمار الكبير الذي ألحقه الاحتلال بالمباني والمنازل في قطاع غزة، ما حرم آلاف الأسر من مساكنها ودفعها إلى البحث عن بدائل محدودة، إذ دُمرت نحو 330 ألف وحدة سكنية بشكل كامل، فيما تضررت نحو 80 ألف وحدة بصورة بالغة وأصبحت غير صالحة للسكن، بينما تعرضت نحو 90 ألف وحدة لأضرار جزئية. ومع اضطرار آلاف الأسر التي فقدت منازلها إلى البحث عن مأوى بديل،
وفي ظل محدودية المساكن المتاحة، ارتفعت كلفة الإيجارات، لتضيف عبئًا جديدًا على العائلات التي تواجه ظروفًا معيشية صعبة. وفي هذا السياق، قال الكاتب محمد يزيد الناظر ، إن أزمة السكن وارتفاع الإيجارات من أكثر المشكلات الاقتصادية والاجتماعية إلحاحًا في قطاع غزة خلال هذه الأوقات الصعبة، ولا سيما في وجود الأضرار الواسعة التي لحقت بالمنازل والوحدات السكنية، وانتقال أعداد كبيرة من الأسر للبحث عن مساكن بديلة في مناطق تتوافر فيها إمكانية السكن والخدمات الأساسية.
وأوضح الناظر أن سوق الإيجارات يقوم اقتصاديًا على معادلة العرض والطلب، وعندما يتراجع عدد الوحدات السكنية المتاحة مقابل ارتفاع كبير في عدد الباحثين عن مسكن، تكون النتيجة الطبيعية ارتفاع الأسعار. وأضاف أن المشكلة في غزة أكثر تعقيدًا، لأن ارتفاع الإيجارات يتزامن مع تراجع الدخول، وفقدان الكثير من فرص العمل، واستنزاف مدخرات الأسر، ما جعل الحصول على مسكن مناسب يشكل عبئًا يفوق قدرة شريحة واسعة من المواطنين.
وأشار إلى أن بند الإيجار أصبح يستحوذ على نسبة كبيرة من ميزانية الأسرة الشهرية، وهو ما ينعكس مباشرة على بقية الاحتياجات الأساسية، موضحًا أن الأسرة التي تضطر إلى تخصيص جزء كبير من دخلها للسكن ستكون أمام خيارات صعبة تتعلق بتقليل الإنفاق على الغذاء أو التعليم أو الصحة أو الملابس والمواصلات.
ولفت إلى أن أزمة السكن تتحول من مشكلة عقارية إلى مشكلة اقتصادية تمس مختلف جوانب الحياة، كما أن الأزمة لا تتوقف عند ارتفاع قيمة الإيجار، بل تمتد إلى ارتفاع تكاليف تجهيز المسكن، وصيانة الوحدات المتضررة جزئيًا، ونقل الأثاث، وتوفير المياه والطاقة والاحتياجات المنزلية الأساسية.
وبيّن أنه في بعض الحالات، قد تضطر أكثر من أسرة إلى الإقامة في مسكن واحد لتقاسم التكاليف، بما يفرض ضغوطًا اجتماعية ومعيشية إضافية. ومن ناحية أخرى، قال الناظر إن معالجة أزمة السكن يمكن أن تتحول مستقبلًا إلى أحد محركات التعافي الاقتصادي في غزة، فإعادة إعمار الوحدات السكنية وترميم المنازل المتضررة ستنشط قطاعات المقاولات والهندسة ومواد البناء والنقل، وستوفر فرص عمل للعمال والفنيين والمهندسين، وتحرك العديد من الأنشطة الاقتصادية المرتبطة بقطاع الإنشاءات.
وأكد أن التعامل مع أزمة السكن يتطلب رؤية تتجاوز تقديم المساعدات المؤقتة، من خلال برامج لدعم الإيجار للأسر الأكثر احتياجًا، وترميم المساكن القابلة للإصلاح، وزيادة المعروض السكني، ووضع برامج تمويل وإعمار تراعي الظروف الاقتصادية للمواطنين.
وشدد على أن السكن حاجة أساسية وليس رفاهية، وأن استقرار الأسرة الفلسطينية داخل مسكن آمن ومناسب يمثل خطوة أساسية نحو استعادة الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي، وتهيئة الطريق لمرحلة التعافي وإعادة إعمار قطاع غزة.



