
هيسم شملوني… الفنان الذي صاغ المنفى باللون والكلمة

٩٠
إعداد: عصام الحلبي – بيروت
في كل لوحة يرسمها، يبدو أن هيسم شملوني لا يسعى إلى الإبهار البصري بقدر ما ينحت الذاكرة ويواجه الغياب. الفنان الفلسطيني السوري، الذي خرج من رحم المخيم والسجن، لا يقدّم فنه على أنه شهادة مباشرة، بل بوصفه محاولة لتثبيت المعنى في وجه التبخّر القسري للهوية والمنفى.
منذ بداية رحلته الفنية في الزنازين، مرورًا بمحطات اللجوء، ووصولًا إلى قاعات العرض الأوروبية، يحرص شملوني على تقديم عمل فني يعبّر عن الإنسان بجوهره قبل الأيديولوجيا، وعن التفاصيل اليومية التي تنمو في الظلال أكثر من الشعارات التي ترتفع في وضح النهار.
من عتمة السجن إلى حرية المشهد التشكيلي
في مقابلة مع برنامج “كافيه شو” على إذاعة مونت كارلو الدولية (14 آذار/مارس 2021)، قال شملوني:
“أنا لا أتّبع مدرسة فنية محددة، بل الفكرة هي من تفرض أسلوبها على اللوحة. أحيانًا تبدأ اللوحة بخامة، وأحيانًا تبدأ بحكاية أو ذاكرة”.
هذا التوجّه الفني ظهر بوضوح في معرضه “ألوان من الحرية” الذي نظّمه في باريس (فبراير – مارس 2021)، حيث قدّم مجموعة من اللوحات التجريبية التي تنوّعت في الخامات والرمزيات، وعكست تجربة المنفى بوصفها فضاءً متحوّلًا ومفتوحًا على حرية ما.
من الصحافة إلى الرسم.. المسارات الموازية
في مرحلة إقامته في دمشق، عمل شملوني في عدد من المواقع الإعلامية الإلكترونية، حيث كتب مقالات ذات طابع أدبي وإنساني، ما منح لغته الفنية عمقًا تعبيريًا يتجاوز الشكل إلى الفكرة. هذه الخلفية الصحفية تركت أثرًا واضحًا في أعماله البصرية، التي تتقاطع فيها الكلمة مع اللون، والرمز مع الموقف.
الذاكرة كمحرّك للرؤية الفنية
في حديثه لموقع “فلسطيننا” عام 2021، كشف شملوني أن التجربة السياسية كانت مدخلًا مبكرًا للفن. فقد اعتُقل وهو في سن السابعة عشرة، وأمضى ثلاث سنوات ونصف في أقبية الأفرع الأمنية في سوريا، بينها سنتان ونصف في سجن صيدنايا العسكري.
“السجن كان مساحة ضيقة، لكنها عميقة. كنت أرسم في رأسي قبل أن ألمس الورق”، يقول شملوني. “رسالتي ليست سياسية بالمعنى المباشر، بل إنسانية، تستلهم من القهر، من الحصار، من النفي، من الغربة، وتعيد صياغتها بشكل رمزي”.
تجربة فنية تتجاوز الحدود
بعد خروجه من سوريا، أقام شملوني سنة واحدة في بيروت، شارك خلالها في الحياة الثقافية والفنية، وقدم أعمالًا في معارض محلية وملتقيات فكرية فلسطينية ولبنانية. هذه المرحلة شكّلت جسرًا بين تجربة الاعتقال وتجربة المنفى الأوسع، وأثّرت بعمق في رؤيته التشكيلية.
لاحقًا، انتقل إلى فرنسا، حيث يقيم اليوم في باريس، ويواصل تقديم معارضه الفنية دون أن ينقطع عن التواصل مع الفضاء العربي. في هذا السياق، تجدر الإشارة إلى أن شملوني أقام وشارك في عدد من المعارض الفنية في عدة دول، منها لبنان، وفرنسا، والسنغال، وغيرها، مقدّمًا أعمالًا تجمع بين التجريب الفني والتوثيق الوجداني.
عام 2016، شارك في معرض “شظايا حرية” ضمن فعاليات الشهر الفلسطيني في العاصمة السنغالية داكار، حيث عرض 23 لوحة تنقل الألم الفلسطيني إلى قارّة اختبرت استعمارًا مشابهًا. وفي معرضه الأخير في فرنسا (يونيو 2025)، الذي حمل عنوان “شظايا الذاكرة”، قدّم أكثر من ثلاثين عملًا فنيًا تناول فيها العلاقة المعقدة بين الخراب والتذكّر، مستعينًا بخامات مركبة تتراوح بين الخشب والخيش والجرائد، ومثبتًا حضور الذاكرة الممزقة في وجه النسيان القسري.
ما يقوله الصحفيون والنقاد
يرى الكاتب والصحفي عصام الحلبي، في مقال له على “شبكة العودة” (يونيو 2025)، أن شملوني ينتمي إلى جيل من الفنانين الفلسطينيين الذين:
“حوّلوا أدوات الألم إلى لغة تشكيلية تحتفي بالرمز، وتتجنّب المباشرة. لوحات شملوني ليست مجرد تمثيلات، بل شظايا وجدان جماعي. إنها تحرس الغياب، وتؤثّث الصمت بما يُشبه الهتاف المكتوم”.
أما الناقدة ميشلين خوري فقد وصفت فنه بـ”التركيب البصري للمنفى”، معتبرة أنه:
“فنان يعيش بين الرمز والندبة”.
حين تتحوّل الكتابة إلى لوحات من نوع آخر
لا يقتصر إبداع شملوني على الفن التشكيلي، بل يمتد إلى الأدب. فقد أعلن في مقابلة حديثة مع “Beirut News Center” (يونيو 2025) عن قرب صدور روايتين له:
سماء رمادية، ظلّ باللون الأصفر
بوح من دفاتر الغربة
وقال في الحديث نفسه:
“الكتابة عندي ليست منفصلة عن الرسم، بل هي امتداد له. الرواية تعبّر عن أشياء لا تقولها الريشة، خصوصًا فيما يتعلّق بالهوية والانكسار الداخلي”.
بين الوطن واللوحة.. ملامح لا تمّحي
هيسم شملوني ليس مجرد فنان تشكيلي، بل ذاكرة حية تختبر اللغة واللون في مواجهة الغياب. أعماله لا تتوقف عند تمثيل فلسطين، بل تصوغها من جديد، بمزيج من الانفعال والتأمل. أما لوحاته، فهي لا تُعلّق في المعارض وحسب، بل في قلوب أولئك الذين يشعرون أن الوطن لا يُرسم بخريطة، بل يُرسم بندبة، وظلّ، وطفل مختفٍ خلف باب.

