بقلم الكاتب / ناهض زقوت
يقولون أن جولدا مائير رئيسة وزراء اسرائيل السابقة قالت، أن الجيل الأول من اللاجئين الفلسطينيين سيموت، والجيل الثاني سينسى، والجيل الثالث نحن سوف ننسيه.
هل كانت تقرأ في كتاب الغيب، أم هي رؤى سياسية مستقبلية يتم العمل عليها وفق استراتيجية طويلة الأمد.
جيل الأجداد رحل عن دنيانا وهو يحلم بالعودة إلى البلاد، وأقصى أمانيه أن يجد له قبرا يأويه في تراب البلد.
أما جيل الآباء لم ينسى سالف الأجداد، ولكنه أغرق في هموم الحياة والمعيشة وتربية الأبناء وتزويج البنات، والسعي الدائم وراء لقمة العيش، فنسي نفسه قبل أن ينسى الوطن، وأصبح كل همه أن يبني وطنه الذاتي/ البيت لكي يأوي أسرته، كان يخرج من ساعات الصباح الأولى حتى ساعات المساء ليوفر لأسرته حياة كريمة. لذلك تجده لا يشارك في المناسبات الوطنية، ولا اعتصامات الدفاع عن قضية اللاجئين، ونادرا ما يخرج في مظاهرة ليدافع عن الوطن، أو يشارك في الانتخابات.
لقد غرق في متاعب الحياة وهمومها، حتى وصل به الحال أن لا يجد وقتا ليجلس مع أبنائه. وأصبحت الأولوية توفير لقمة العيش، ودفع رسوم الجامعات، وسداد فواتير المياه والكهرباء والانترنت والاتصالات، وتجهيز البيت لشهر رمضان، وشراء ملابس العيد، وتجهيز الأولاد للمدارس، وغيرها من متطلبات الحياة اليومية التي نسي فيها الوطن، بل لم يعد يقرأ الاخبار أو يتابع المستجدات السياسية في القضية الفلسطينية.
أتحدث هنا عن الغالبية العظمى من ٱباء شعبنا، وليس عن القلة التي انخرطت في العمل السياسي والوطني، ودفعت الثمن في سبيل الدفاع عن الوطن.
وإذا تحدثنا عن الأحفاد، فهم الجيل الذي شارك في الانتفاضة، وحمل السلاح وقاوم، بعضهم دفع حياته ثمنا للوطن، وأخرون قضوا حياتهم في غياهب السجن. كانوا مدفوعين بانتمائاتهم الحزبية، ورفعوا راية الحزب أو التنظيم أكثر ما رفعوا راية الوطن، هكذا تعلموا من أحزابهم.
ليكتشف جيل الاستقرار بعد السلطة، أن الوطن كان سلعة للمتاجرة لوصول المسؤول إلى السلطة، مستخدما عناصر التنظيم أو الحزب أداة لتسلق المناصب، ويلقي الحزب لهم فتات وظيفة لكي يبقى متملقا للحزب والقائد.
بدأت الأحزاب بكل مسمياتها في التراجع، حينما اكتشف الاحفاد خدعة الوطن، والحزب المدافع عن الوطن، وكانت الطامة الكبرى أمام جيل الأحفاد حينما انقسم الوطن غير المحرر، من أجل مصالح حزبية لا وطنية، وبدأ الصراع .. حتى وصل أن يقتل الأخ أخوه من أجل الحزب، فلم يعد للوطن معنى ثابت في رؤية الجيل الجديد.
تراجع الوطن إلى خلفية المشهد، وغرق الأحفاد أو الجيل الجديد في صيحة التكنولوجيا، والبحث عن وظيفة بعد التخرج من الجامعة، عشرات المئات من الشباب على المقاهي غارقون في شاشة الجوال أو شاشة التلفاز يتابعون كرة القدم، وقليل منهم من يقرأ كتاباً أو يشارك في الندوات سواء ثقافية أو سياسية، وجميعهم يلعنون الأحزاب وما جلبته من دمار لمستقبلهم.
غاب الوطن، ونسي الأحفاد معنى الوطن في ظل تعقيدات الحياة في غزة، وهم يشاهدون ابن المسؤول يحصل على وظيفة، وهو قابع في المقهى ينتظر من يعترف بشهادته أو درجته العلمية. أمام هذا الواقع التعس لم يعد للشهادة قيمة، فتجد بائع الخضار يحمل شهادة الماجستير، وسائق التاكسي يحمل شهادة الهندسة، وبوابة العمارة حاصل على الدكتوراه، وكانت أقصى أمنيات الشباب أن يجد طريقا الهجرة، لكي يبني مستقبلا منعدما في وطنه.
جاءت حرب 7 أكتوبر لتقضى على كل ٱمال الفلسطينيين في الحياة الكريمة، وأصبحت أقصى أمنيات النازحين العودة إلى شمال غزة، وليس إلى الوطن المهجر عام 48.
فقد اكتملت المهمة ونسي الأحفاد الوطن، وحق العودة، وامنياتهم أن يجدوا طريقا للهجرة خارج الوطن، لذلك لم يعد لوكالة الغوت دور أو وجود فيجب أن تنتهي لحرق ٱخر عنوان لحق العودة.
هكذا أصبح واقع أحفاد اللاجئين الفلسطينيين. بعد أن تحققت نبوءة جولد مائير. فماذا حققنا نحن كفلسطينيين، بل من المسؤول عن الحالة التي وصل إليها الجيل الجديد، هي الأحزاب بكل مسمياتها التي لم تكن حريصة على الوطن وأهله بقدر ما كانت حريصة على بقاء الحزب وقيادته.
غزة: 25/9/2026 عرض أقل
الأجيال .. الوطن رؤى متغيرة
